الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
فعاليات من وراء الجمهور!

فعاليات من وراء الجمهور!

أقام المهرجان القومى للمسرح قبل انطلاق فعالياته يوم السبت الماضى على خشبة المسرح الكبير، مجموعة من المحاور الفكرية والندوات المتحدثة عن علاقة المسرح بالجمهور، بينما المفارقة المثيرة للسخرية أن هذه الفعاليات أقيمت دون حضور الطرف الآخر، ظل الجمهور أصل الموضوع غائبًا عن تلك الفعاليات التى أقيمت بشكل دورى وأتيحت لها مساحة للحوار والأحاديث المنمقة والأبحاث الفكرية المعمقة والمتحذلقة أحيانًا، دون أن يستمع صاحب القضية إليها أو يبدى رأيه حولها سواء بالقبول أو الرفض.



لا نتحدث عن تنظيم الندوات والمحاور الفكرية الخاصة بالمهرجان بصفتها شىء يعيب فعالياته ولكن هذا نموذج مصغر يلخص علاقة المسرح الحقيقية بجمهوره، هو طرف غائب دائمًا غير حاضر بالمرة إلا فى تجارب شحيحة يبذل فيها أصحابها ما أوتوا من قوة لاستغلال عناصر الجذب الجماهيرى حتى ينجح منتجهم الفنى كما هو متعارف عليه، فالمسرح بالأساس فن جماهيرى هو خلق للمشاهدة والتفاعل مع أصحاب العمل الفنى، فما يميز هذا الفن على وجه التحديد احتكاك الفنان المباشر بجمهوره ونيل رد فعله الحقيقى فى هذه اللحظة الحالية، لكن ماذا حدث للمسرح والجمهور؟!

بعيدًا عن القاعات المغلقة والمناقشات الجدلية غير المجدية من المهم أن نفتح هذا الجرح الغائر الذى تعانى منه الحركة المسرحية على مدار سنوات طوال، جرح عميق لا يزال مفتوحًا، تعود هذه الجراح لأسباب عدة أولها حذف المسرح من أجندة المواطن المصرى اليومية ومن خريطة حياته تمامًا وذلك رغم سعر تذكرته الزهيدة مقارنة بتذاكر السينما على سبيل المثال، أصبح الجمهور والشباب فى حالة عزوف تامة عن المشاهدة والمتابعة المسرحية وهذه ثقافة متجذرة وراسخة فى وجدان الجمهور.. تروج مقولة.. «ليس هناك مسرح فى مصر وأين المسرح اليوم؟!».

 من اخترع هذه المقولة وعضد رسوخها فى وجدان الجماهير على مدار سنوات عجاف؟!.. حتى أن العمل الفنى الذى ينجح فى جذب جمهوره ويحقق إيرادات ويجد أصحابه إقبالًا عليه يصبح شيئًا استثنائيًا غريبًا غير اعتيادى ونجاحًا مفاجئًا يفتخر به أصحابه وكأنهم حققوا شيئًا نادر الحدوث، وبالتالى هذا الإنتاج الغزير أصبح يحرق نفسه بنفسه تتضمن كل قطاعات المسرح عددًا وفيرًا من الإنتاج الفنى للأعمال المسرحية لكنها غير جاذبة سوى لأصحابها أو زملاء العاملين فيها وبالطبع النقاد المسئولين عن التغطية النقدية لهذه الأعمال الفنية، لذلك قد تذهب إلى العديد من العروض المسرحية ولا تجد فيها إلا القليل من الجمهور العادى إن وجد. 

شاركت كاتبة هذه السطور فى إدارة إحدى ندوات المهرجان القومى تحت عنوان «تجارب مغايرة فى جذب الجمهور .. «وأشار يومها أحد المتحدثين بالندوة المخرج الشاب محمد عادل النجار مناقضًا عنوان الندوة والذى أوافقه الرأى وبشدة » .. ليس مهمًا أو ضروريًا أن تكون التجارب مغايرة حتى تكون جاذبة للجمهور»..  وهذا صحيح ثم أخذ يعدد الأعمال المسرحية التى سبق أن شاهدها والجماهير الحاضرة والمتابعة لها فى إيطاليا، وذلك على إثر عودته من منحة الأكاديمية المصرية بروما، وأشار يومها كيف ترسخ داخل هذا الجمهور قيمة المتابعة ومشاهدة الأعمال المسرحية رغم تنوعها واختلافها وتعددها بمسارح متباينة وأنه عليك أن تحجز تذكرتك باهظة التكلفة قبل انطلاق العرض بمدة كافية حتى تتمكن من الفوز بمقعد من شدة الزحام الجماهيرى!.

تساءلت يومها فى حزن ما الذى يحول بين المسرح المصرى وهذه العملية الديناميكية المتحركة بين المسرح وجمهوره هذه العلاقة الإيجابية التى تنمو وتزدهر بمرور الزمن.. هل هى ثقافة حفرت فى وجدان المواطن منذ الصغر، أم هو نظام مكتمل الأركان منح للإنتاج هذه القيمة الكبرى بين الجماهير الذى قد يكون بينهم سياح أتوا من أطراف مجاورة لمشاهدة عرض مسرحى وهذا يحدث بالفعل فى الولايات المتحدة «بروداوى» أو بإنجلترا وبالطبع مهرجان أفينون بفرنسا، أو أن الفنانين فى أوروبا غير منفصلين عن واقع جماهيرهم وواقعهم المعاصر إلى جانب منظومة الدعاية والإعلان عن هذه الأعمال المسرحية من داخل البلد نفسه أو خارجه، أعتقد أن كل هذه العناصر مجتمعة تسهم وبقوة فى نجاح وبناء وازدهار أى حركة مسرحية بأى بلد بالعالم، ويبقى السؤال متى يصبح المسرح فعلًا جماهيرًيا حقيقيًا .. متى يحضر هذا الغائب إلى موقعه المهجور؟!.

 وللحديث بقية.