الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

حرائق الغابات تُدخل العالم «حلقة نارية»

تعيش قارة أوروبا واحدة من أخطر الكوارث البيئية فى تاريخها الحديث، مع استمرار حرائق الغابات فى فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، خاصة فى المناطق الجنوبية الغربية المطلة على ساحل المحيط الأطلسى، وسط تحذيرات متزايدة من خبراء المناخ من ظهور ظاهرة جوية شديدة الخطورة تُعرف بـ»سحب التنين النارية»، التى قد تؤدى إلى تفاقم الحرائق وإدخال العالم فى حلقة نارية متواصلة بفعل التغيرات المناخية



ومع اقتراب درجات الحرارة من حاجز 40 درجة مئوية، تواجه فرنسا وإسبانيا واحدة من أعنف موجات حرائق الغابات فى أوروبا، بعدما أجبرت النيران أكثر من 325 ألف شخص على مغادرة منازلهم، خاصة فى محيط مدينة بوردو الفرنسية، حيث اقتربت ألسنة اللهب لمسافة لا تتجاوز 15 كيلومترًا من المدينة، فى وقت تتزايد فيه المخاوف من استنزاف قدرات فرق الإطفاء التى تواجه حرائق واسعة النطاق بالتزامن مع موجة حر غير مسبوقة ساهمت فى تسارع انتشار النيران.

وأظهرت بيانات الأقمار الصناعية التابعة لنظام معلومات حرائق الغابات الأوروبى أن عام 2026 سجل رقمًا قياسيًا جديدًا فى حجم المساحات المحترقة داخل فرنسا، متجاوزًا إجمالى المساحات التى التهمتها الحرائق خلال عام 2022، فيما لا تزال الحرائق خارج السيطرة فى إقليمى جيروند ولاند.

وكشفت بيانات نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبى (EFFIS) أن المساحة المحترقة فى فرنسا بلغت حتى الآن نحو 70 ألف هكتار، متجاوزة الرقم المسجل خلال عام 2022.

وأمام هذه الكارثة، أصدر الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون توجيهاته للجيش بالتدخل الكامل لدعم هيئة الدفاع المدنى، موجهًا الشكر إلى رجال الإطفاء وفرق الإنقاذ على ما وصفه بشجاعتهم الاستثنائية فى مواجهة النيران.

وعلميًا، لا يرتبط هذا المصطلح بنوعية الأشجار أو مصدر اشتعال الحريق، وإنما يصف ظاهرة ديناميكية تنتج عن تصاعد عمود هائل من الهواء الساخن والدخان، يولد حركة هوائية عنيفة تجعل الحريق يصنع رياحه الخاصة، بعيدًا عن اتجاهات الرياح الطبيعية فى المنطقة.

ويمنح هذا السلوك الحرائق قدرة على تغيير اتجاهها بصورة مفاجئة والانتشار بسرعة كبيرة، ما يشكل خطرًا مباشرًا على فرق الإطفاء ويزيد من تعقيد عمليات السيطرة على النيران.

وتوضح صحيفة «الجارديان» أن السحب النارية الرعدية هى سحب عاصفة ضخمة تتكون نتيجة الطاقة والحرارة الهائلتين اللتين تطلقهما حرائق الغابات، حيث يرتفع عمود الدخان إلى طبقات الجو العليا، ومع انخفاض الضغط الجوى يبرد الهواء ويتكثف بخار الماء لتتشكل سحب رعدية قد تنتج عنها صواعق ورياح شديدة.

وأوضح الدكتور ريك مكراى، الباحث المتخصص فى حرائق الغابات بجامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية، أن هذا النوع من السحب أصبح أكثر شيوعًا خلال القرن الحالي، بعدما تم رصده فى حرائق كاليفورنيا عام 2022، ويجرى رصده حاليًا فى الحرائق المشتعلة بفرنسا.

وأرجع مكراى تكرار هذه الظاهرة إلى أزمة التغير المناخى، مؤكدًا أن التحولات المناخية التى يشهدها الغلاف الجوى وطقس سطح الأرض تسهم فى زيادة تكرارها وحدتها خلال السنوات المقبلة.

وفى إسبانيا، أعلنت الحكومة للمرة الأولى حالة الطوارئ الوطنية بسبب حرائق الغابات، بعد امتداد النيران إلى العاصمة مدريد وإقليم آفيلا المجاور.

وتركز فرق الإطفاء الإسبانية جهودها على حماية مجمع القصر والدير التاريخى الذى يعود إلى القرن السادس عشر، والذى شُيد فى عهد الملك فيليب الثانى.

وفى إيطاليا، اندلعت حرائق واسعة فى شبه جزيرة جارجانو جنوب البلاد، ما دفع السلطات إلى إجلاء مئات السياح، بعدما تسببت النيران القريبة من بلدية بيشيتشى فى تدمير هكتارات من الشجيرات وإخلاء عدد من المناطق السكنية والشواطئ.

وأوضح المعهد الإيطالى للإحصاء والبحوث الوقائية أن الحرائق تدمر سنويًا مساحات تعادل 135 ألف ملعب كرة قدم، منها نحو 123 كيلومترًا مربعًا من الغابات، فيما تتصدر أقاليم صقلية وكالابريا وكامبانيا قائمة المناطق الأكثر تضررًا، بنسبة تبلغ %71 من إجمالى المناطق المتأثرة بالحرائق.

ولم تعد حرائق جنوب أوروبا مجرد كارثة بيئية، بل تحولت إلى أحد أبرز الأدلة على تصاعد آثار التغير المناخى، فى ظل تحذيرات منظمة الصحة العالمية من ارتفاع عدد حرائق الغابات فى أوروبا بنسبة %57 منذ عام 2022، وهو ما دفع العديد من الباحثين إلى التحذير من دخول القارة مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ»عصر الحرائق الكبرى»، حيث تتكرر الحرائق الضخمة بوتيرة أسرع وعلى نطاق أوسع من أى وقت مضى.