التصعيد الأمريكى - الإيرانى
أمانى عزام
يشهد الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية فى ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة المواجهة إلى ساحات إقليمية جديدة، خاصة مع زيادة الاعتداءات على عدد من الدول العربية والتى أدانتها مصر بأشد العبارات وأكدت تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية ودعمها الكامل لكافة الإجراءات التى تتخذانهم للحفاظ على أمنهما، يأتى ذلك فى وقت تتواصل فيه التحركات الدبلوماسية الهادفة إلى احتواء الأزمة ومنع انزلاقها نحو حرب شاملة قد تترك تداعيات غير مسبوقة على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.
ويرى خبراء فى الشئون السياسية والعسكرية، فى تصريحات لـ«روزاليوسف»، أن التطورات الراهنة لا تعكس رغبة حقيقية لدى أى من الطرفين فى خوض مواجهة مفتوحة، بقدر ما تمثل محاولة لإعادة صياغة قواعد الردع وتعزيز المواقف التفاوضية، عبر تبادل الرسائل العسكرية والسياسية ضمن سقف محسوب، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر مرتبطة بسوء التقدير.
وقال هانى سليمان، الخبير فى الشأن الإيراني، إن التطورات المتسارعة فى المنطقة تنعكس بصورة مباشرة على مسار المفاوضات، موضحًا أن القيادة الإيرانية، لا سيما الحرس الثورى والتيار المتشدد، تنظر إلى أى مرونة تجاه الولايات المتحدة باعتبارها خطأً استراتيجيًا قد يُفسر على أنه مؤشر ضعف.
وأضاف أن طهران تحاول الموازنة بين إظهار الصلابة العسكرية والإبقاء على هامش دبلوماسي، من خلال إبداء مرونة شكلية أمام المجتمع الدولي، مع وضع شروط وعراقيل تحول دون اتهامها بإفشال جهود الوساطة، سواء التى تقودها سلطنة عمان أو باكستان، خاصة فيما يتعلق بأمن مضيق هرمز.
وأشار سليمان إلى أن خيارات الرد الإيرانى لا تقتصر على المواجهة المباشرة، وإنما تشمل استهداف المصالح والقواعد العسكرية الأمريكية، أو تحريك حلفائها فى المنطقة، سواء عبر الحوثيين فى البحر الأحمر وباب المندب، أو الفصائل المسلحة فى العراق، أو إعادة تنشيط جبهة حزب الله إذا تطور الصراع إلى مواجهة واسعة.
وأكد أن استمرار التصعيد أدى إلى تراجع مستوى الثقة بين الجانبين، إلا أن المسار الدبلوماسى لا يزال قائمًا، لأن كلفة الحرب الشاملة ستكون باهظة على جميع الأطراف، موضحًا أن واشنطن تركز على احتواء البرنامج النووى الإيراني، بينما تسعى طهران إلى حماية برنامجها النووى والصاروخى ومكتسباتها الاقتصادية بأقل خسائر ممكنة.
وحذر من أن أى اضطراب فى الخليج العربى أو مضيق هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وقطاع الأسمدة، مشيرًا إلى أن التوترات الحالية انعكست بالفعل على بعض العلاقات التجارية الإيرانية، بما يعزز أهمية الحفاظ على حرية الملاحة وفق قواعد القانون الدولي.
وفيما يتعلق بالخطوط الحمراء، أوضح سليمان أن الولايات المتحدة تعتبر استهداف قواتها أو سفنها أو منشآتها الدبلوماسية والعسكرية، أو إيقاع خسائر كبيرة بها، إلى جانب توسيع دور حزب الله ضد إسرائيل، من أخطر السيناريوهات التى قد تدفعها إلى تصعيد واسع. وفى المقابل، ترى إيران أن استهداف قياداتها، أو تنفيذ عمليات برية ضدها، أو استهداف أصولها البحرية، يمثل تجاوزًا يستوجب ردًا قويًا.
ورجح أن تشهد المرحلة المقبلة موجات متكررة من التصعيد يعقبها هدوء نسبى وعودة إلى طاولة الوساطات، معتبرًا أن نتائج التحركات السياسية المرتقبة قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط على مستوى العلاقات الأمريكية - الإيرانية، وإنما أيضًا على مستوى النظام الإقليمى وتوازنات القوى فى الشرق الأوسط.
ومن جانبه، قال اللواء الطيار المتقاعد مأمون أبونوار، الخبير فى الشئون الدفاعية والاستراتيجية، إن التجربة العسكرية الأخيرة أثبتت محدودية فاعلية الخيار العسكرى فى تحقيق الأهداف الأمريكية، رغم حجم القدرات المستخدمة، والتى تضمنت مئات الطلعات الجوية وحاملات الطائرات والأسلحة الاستراتيجية.
وأوضح أن الضربات الجوية، بما فى ذلك استخدام القاذفات الاستراتيجية والقنابل الخارقة للتحصينات، لم تنجح فى معالجة الأهداف الإيرانية المحصنة داخل الجبال، كما لم تتمكن من فرض السيطرة على مضيق هرمز أو إجبار إيران على تقديم تنازلات استراتيجية، وهو ما يؤكد أن القوة العسكرية وحدها ليست كافية لحسم الأزمة.
وأضاف أن استمرار العمليات العسكرية يفرض تحديات كبيرة على أمن الملاحة فى الخليج العربي، ويزيد من المخاطر التى تواجه المنشآت النفطية والبنية التحتية، فضلًا عن احتمالات اتساع دور القوى الحليفة لإيران، وعلى رأسها جماعة الحوثي، بما قد يؤدى إلى توسيع دائرة الصراع الإقليمي.
وأشار أبونوار إلى أن التطورات العسكرية تتداخل مع اعتبارات دولية معقدة، من بينها الحسابات السياسية الأمريكية، وتراجع المخزونات العسكرية، والدعم الاستخبارى الذى تحصل عليه إيران من شركاء دوليين، وهو ما يجعل التسوية السياسية الخيار الأكثر واقعية لجميع الأطراف.
بدوره، أكد الدكتور محمد العريمي، الكاتب والباحث العمانى المتخصص فى الشئون السياسية، أن التصعيد الحالى يمثل امتدادًا لصراع استراتيجى طويل الأمد بين واشنطن وطهران، تحكمه ملفات البرنامج النووي، والنفوذ الإقليمي، وأمن القوات الأمريكية، وتداعيات الحرب فى غزة.
وأوضح أن ما يجرى حاليًا يعكس محاولة من الطرفين لإعادة صياغة قواعد الردع أكثر من كونه تمهيدًا لحرب شاملة، مشيرًا إلى أن المؤشرات الحالية ترجح استمرار التصعيد التكتيكى المحسوب، بالتوازى مع بقاء قنوات الاتصال الدبلوماسية مفتوحة.






