الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
مصر لا تنسى.. وغزة فى القلب

مصر لا تنسى.. وغزة فى القلب

 فى خضم الأحداث المتسارعة فى المنطقة، تراجعت الأخبار الصحفية والإعلامية عن غزة فى وسائل الإعلام العربية، لكننى انتبهت بعد أن تابعت الأسبوع الماضى انطلاق قافلة جديدة من قوافل «زاد العزة» المتجهة من مصر إلى الأشقاء فى قلب غزة.



غزة ستظل فى قلب كل المصريين، قيادة وشعبًا، والتراجع النسبى فى مساحة الاهتمام الإعلامى المخصص للمأساة الفلسطينية يجب ألا يعنى غيابها عن المشهد، بل ينبغى أن تظل حاضرة فى كل وسائل الإعلام المحلية والدولية. 

ما يجرى فى القطاع لا بد أن يشاهده الجميع فى الشرق والغرب، وغزة وما حدث فيها يظل عارًا على جبين الإنسانية.

الدولة المصرية وعلى رأسها القيادة السياسية، تولى اهتمامًا كبيرًا بمساعدة الأشقاء الفلسطينيين ومساندتهم على كل المستويات، ولذلك أطلق الهلال الأحمر المصرى قافلة « زاد العزة» رقم 237، والتى ضمت عددًا من الشاحنات المحملة بمختلف السلع والمساعدات الإنسانية إلى أهلنا الكرام فى قطاع غزة.

فى بداية التحضير للقافلة الأخيرة المتجهة إلى غزة الشهر الماضي، عبّرت السيدة انتصار السيسى، قرينة رئيس الجمهورية، عن سعادتها بلقاء أبنائها وبناتها من متطوعى الهلال الأحمر المصرى.

وكتبت قرينة الرئيس عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، أنها سعيدة بلقاء أبناء وبنات الهلال الأحمر المصرى من المتطوعين، وأنها تتابع عن قرب وصول المساعدات الإنسانية التى يتم إرسالها إلى قطاع غزة عبر مصر والتى وصلت إلى ما يقرب من مليون طن من المساعدات الغذائية والطبية والإنسانية إلى أطفال وشيوخ ونساء ورجال القطاع.

مصر ستظل على العهد مع الأشقاء فى العسر واليسر، وسيبقى شريان من قلب هذا الوطن يمد يد العون إلى قطاع غزة مهما كانت الظروف، فهذا عهد أهل مصر الكرام، ولن ينقطع هذا الجسر بإذن الله.

أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ستظل دائمًا فى قلب وعقل المصريين، وما يحدث فى القطاع من مأساة إنسانية لا يمكن أن يكون بالنسبة لنا خبرًا عابرًا فى نشرات الأخبار، والتاريخ يشهد، قديمًا وحديثًا أن مصر قدمت أعز ما تملك دفاعًا عن أرض فلسطين الحبيبة، ومنذ اندلاع الحرب على غزة قبل سنوات لم تقف مصر أمام المشهد الفلسطينى بوصفها متفرجًا، بل وجدت نفسها كعادتها فى كل منعطف مصيرى من تاريخ القضية الفلسطينية، فى قلب العاصفة، فخرجت قوافل الإغاثة عبر أساطيل من الشاحنات امتدت لعشرات بل مئات الكيلومترات فى الشتاء القارس والصيف الحارق، وشاهدنا عشرات من سائقى هذه الشاحنات يفترشون أرض سيناء على طول الطريق بداية من العريش وحتى معبر رفح الحدودى ينتظرون على أحرّ من الجمر لحظة أداء رسالتهم وتوصيل المساعدات إلى أطفال القطاع.

المستشفيات المصرية بالعريش ومعهد ناصر بالقاهرة، استُقبل الجرحى والمرضى، ومن المؤسسات الخيرية والأزهر الشريف تم جمع الغذاء والدواء والاحتياجات الإنسانية، وفى الغرف السياسية والدبلوماسية، لم تتوقف الاتصالات بحثًا عن هدنة أو ممر إنسانى أو فرصة لإنقاذ حياة طفل صغير أو شيخ كبير، هذه القوافل التى حملت الغذاء والدواء كانت رسالة واضحة وصورة حية للعالم عن موقف سياسى وأخلاقى نبيل تتبناه مصر.

بحسب البيانات الرسمية المصرية، فقد تجاوزت المساعدات التى جرى إدخالها إلى قطاع غزة عشرات الآلاف من الشاحنات، محملة بمئات الآلاف من الأطنان من المساعدات الإنسانية والإغاثية، لكن الأرقام، على الرغم من ضخامتها، تظل عاجزة عن رواية القصة كاملة، فالرقم لا يستطيع أن يصف طفلًا ينتظر كيس دقيق، ولا أمًّا تبحث عن دواء، ولا مريضًا ينتظر سيارة إسعاف، ولا أسرة فقدت منزلها وتبحث عن خيمة تحميها من برد الليل وحرارة النهار، وراء كل شاحنة قصة إنسانية، ووراء كل طن من الغذاء محاولة لإنقاذ حياة، ووراء كل عبوة دواء مقاومة صامتة للموت.

هنا فى هذا الوطن العظيم، تتجاوز المساعدات المصرية معناها الإغاثى المباشر، لتتحول إلى موقف من طبيعة الحرب ذاتها، فحين يُحاصر شعب كامل ويُدفع إلى النزوح وتُدمر المدن والمستشفيات والمدارس، يصبح إدخال الغذاء والدواء فعلًا إنسانيًا، لكنه يصبح فى الوقت نفسه موقفًا سياسيًا يرفض تحويل الإنسان إلى أداة فى مشروع سياسى أكبر من قدرته على الاحتمال.

وقد أحسن الرئيس عبد الفتاح السيسى عندما رفض رفضًا قاطعًا فكرة التهجير، وأدركت مصر أن مخطط تهجير الفلسطينيين من أرضهم لا يمثل مجرد انتقال مؤقت للسكان، وإنما يحمل خطرًا تاريخيًا يتمثل فى تحويل الكارثة الإنسانية إلى واقع سياسى دائم، وتحويل النزوح إلى اقتلاع من الجذور، والاقتلاع إلى تصفية تدريجية للقضية الفلسطينية.

لذلك من الضرورى خلال الأيام المقبلة وخاصة قبل دخول فصل الشتاء، أن تعود أخبار غزة إلى بؤرة الاهتمام الإعلامى فى كل نشرات الأخبار العربية، وأن تتصدر المأساة الإنسانية المشهد من جديد، فالمساعدات المصرية لا يمكن فصلها عن المعركة الأوسع.. معركة بقاء الإنسان الفلسطينى على أرضه، والحفاظ على وجوده، ومنع تحويل المأساة إلى وسيلة لإعادة رسم المنطقة على حساب شعب بأكمله.

قدر مصر عبر تاريخها أن تكون فى اللحظات الفارقة ليست مجرد دولة، وإنما ملاذ لكل ضعيف، ووسيط لحل النزاعات، وصوت يحاول أن ينقذ ما تبقى من الإنسانية فى هذا العصر الصعب.

مصر، بكل وضوح، تمثل الحق والعدل والإنسانية فى القضية الفلسطينية على مر التاريخ.. تحيا مصر.