الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الآثار المصرية بين الجمهوريتين الأولى والثانية

الآثار المصرية بين الجمهوريتين الأولى والثانية

فى صباح الثالث والعشرين من يوليو استيقظت مصر على انتفاضة قام بها الجيش المصرى معلنًا نهاية عهد الأسرة العلوية، ومقدمًا لجمهورية جديدة فى ثورة ألهمت وألهبت كل شعوب العالم رغبة فى التحرر من الاستعمار. 



قدمت الثورة مبادئ اجتماعية وسياسية واقتصادية، لكن لم تكن الآثار بمنأى عنها، حيث حرص رجال الثورة على إحياء التراث المصرى، واعتباره جزءًا من هوية الوطن، فكان عام 1954 نقل تمثال رمسيس الثانى أشهر ملوك مصر من معبد ميت رهينة ليزين أشهر ميادين القاهرة الخديوية، والذى يحمل اسمه، ثم نقلته مصر ليقدم للعالم مرة ثانية جمهورية جديدة شيدت أعظم متاحف العالم قاطبة.

عام 1956، أعلنت مصر تأميم قناة السويس فى خطوة حاولت من خلالها قوى الغرب التى كانت تحمل ضغينة ضد ثورة مصر، وواجهت بسببها مشكلات عديدة فى الجزائر وموريتانيا وسوريا وغيرها، فكان العدوان الثلاثى الذى خرجت منه مصر أكثر قوة، وأكملت مشروع القرن العشرين السد العالى، ومعه أطلقت للعالم دعوة تاريخية بحماية تراث جنوب مصر من الزوال فكانت مبادرة اليونسكو بالتدخل لإنقاذ العديد من الآثار، ومن أهمها معبدا أبو سمبل، معابد كلابشة والذى يضم فى موقعه الجديد معابد أخرى ومنها كشك قرطاسى، وعمدا والدر والسبوع وغيرها، ولم يتوقف الأمر، بل إن مصر استمرت تدعو لإنقاذ ما تبقى، فكان إنقاذ معبد فيلة ونقله من جزيرة بيجة إلى جزيرة أجيليكا عام 1978، أى بعد سبع سنوات من تأسيس السد العالى.

كشك قرطاسى.. معبد أبو سمبل الكبير.. وبجانب ذلك أهدت مصر مجموعة من الآثار إلى الدول المساهمة، ولعل أهمها معبد دندور الذى يؤرخ بالعصر الرومانى والمحفوظ الآن فى متحف المتروبوليتان.

معبد دندور يزين جنبات متحف المتروبوليتان.. ثم كان القانون 117 لعام 1983 لحماية الآثار هو درة ما قدمته الجمهورية الأولى لحماية التراث المصرى الذى حدد معنى الأثر للمرة الأولى فى التاريخ الحديث بأنه:  

- يكون نتاجًا للحضارة المصرية أو الحضارات المتعاقبة، أو نتاجًا للفنون أو العلوم أو الآداب أو الأديان التى قامت على أرض مصر منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى ما قبل مائة عام.

- أن يكون ذا قيمة أثرية أو فنية أو أهمية تاريخية باعتباره مظهرًا من مظاهر الحضارة المصرية أو غيرها من الحضارات التى قامت على أرض مصر.

- أن يكون الأثر قد أنتج أو نشأ على أرض مصر أو له صلة تاريخية بها، كما تُعتبر رفات السلالات البشرية والكائنات المعاصرة لها فى حكم الأثر الذى يتم تسجيله وفقًا لأحكام القانون.

بعد ذلك دخلت الجمهورية الأولى فى نزاع قانونى ضخم لاسترداد آثار سيناء التى قامت إسرائيل بعد عام 1967، بعمل حفائر عشوائية، وغير منتظمة لنهب آثار سيناء، وتشهد العديد من الوثائق والكتابات على ما قام به موشى ديان من نقل لآثار مصرية من مواقعها، وطمس هوية العديد من المواقع الأخرى.

مناطق التخزين فى تل حبوة بسيناء

مع بداية الألفية الثالثة كان مشروع المتحف المصرى بالرماية كما كان يسمى، ومعه متحف الحضارة المصرية، ولكن توقف العمل بالمشروعين لأسباب متعددة، انتهت بأحداث 25 يناير، وما تلاها من تواجد قوى لم يكن تراث مصر وآثارها من بين الأولويات.

مع ثورة 30 يونيو وبداية الجمهورية الجديدة كان لحماية الآثار والتراث النصيب الأكبر، وهو ما أدركته شعوب العالم فبادرت دول مثل هولندا والولايات المتحدة بإعادة بعض الآثار المصرية التى خرجت من مصر بطريقة غير شرعية.

ثم كان العمل على محاربة الإرهاب بالتراث، ففى الوقت الذى دمرت قوى الشر متاحف مصرية، مثل متحف ملوى ومتحف الفن الإسلامى، قامت مصر فى جمهوريتها الجديدة بإعادة المتحفين بصورتهما الحديثة الرائعة، ومعهما تم إنشاء العديد من المتاحف الإقليمية، مثل متحف كفر الشيخ ومتحف مرسى مطروح ومتحف شرم الشيخ ومتحف الغردقة وغيرها.

كانت المعركة الكبرى الأثرية للجمهورية الجديدة هى متحف الحضارة المصرية بالفسطاط، والذى أصبح منارة ثقافية عبر عن حضارات مصر عبر العصور المختلفة، ويقدم للعالم مهابة ملوك مصر ومومياواتهم التى تشهد على أعجوبة العلوم الطبية التى كان العالم ينهل فيها من مصر.

بدأت مصر كذلك مشروع إحياء مسار رحلة العائلة المقدسة الذى شهد عام 2015، إعلانًا من بابا الفاتيكان الراحل البابا فرانسيس أن رحلة العائلة المقدسة إلى مصر حج مقدس، ومعها بدأت الدولة فى تجهيز طرق، وفتح مناطق سياحية وخدمات لوجيستية نتمنى أن تتمكن بعدها من تنفيذ كامل لهذه الرحلة المباركة.. وكان إعادة إحياء طريق مجرى العيون، واستكمال مشروعات القاهرة التاريخية، والحفاظ على مسار آل البيت، وغيرها من المشروعات رسالة من الجمهورية الجديدة أن مصر لن تتوقف عن تقديم حضارتها التى ما زالت تخفى الكثير.

ويعد المتحف المصرى الكبير هو درة ما قدمته الجمهورية الجديدة للعالم، حيث يعد أكبر متحف يضم آثار حضارة واحدة، كما يقدم عرضًا متحفيًا غير مسبوق، وللمرة الأولى تعرض مجموعة توت عنخ آمون كاملة مقدمة للعالم الحضارة المصرية وكنوزها.

إن الآثار المصرية كانت خلال السبعين عامًا بين الجمهوريتين فى قلب الأحداث لم تقف الحروب والصراعات السياسية والاجتماعية أن توقفها، وحتى حين نظر إليها البعض أنها حفنة من تراب كان شباب مصر هو الدرع الواقية لها، وليتحقق معها مقولة ملوك مصر العظام فى عصر الأسرات القديمة (ما دامت السماء ستدوم آثارى على الأرض).