الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
فارس الرومانسية

فارس الرومانسية

نحتفل هذا الشهر بمرور 109 سنوات على ميلاد فارس الرومانسية الأديب يوسف السباعى، والرومانسية ليست التحليق فى عوالم الخيال، أو ذرف الدموع على حب فائت، أو عَد أوراق الورد، وكلها أفعال إنسانية راقية لكنها عند السباعى كانت رومانسية ثورية تسعى إلى التغيير، وتُبشر بعالم جديد ويُرجع نقاد الأدب المرحلة الرومانسية فى أدبنا المصرى إلى فترة الثلاثينيات حتى فترة الخمسينيات من القرن الماضى، وفى الشعر بدأت بجماعة أبوللو، وكانت المأساة تفوح رائحتها من بين قصائد على محمود طه وخاصة فى ديوان« الملاح التائه »و« أغانى الكوخ »لمحمود حسن إسماعيل، ومرارة سؤاله الهارب «أين المفر»؟ كما يقول الناقد المبدع غالى شكرى.



أما فى السرد القصصى والروائى فقد كان أدب يوسف السباعى خير مثال على هذه الكتابة الرومانسية الثورية، فقد أرَّخ فينا لثورة يوليو1952، بل كتب قبل قيامها مُبشرًا بنذرها الأولى، وقرب انطلاق طاقات نورها، وذلك من خلال روايته «أرض النفاق» التى صدرت عام1949، وتعد البداية الحقيقية لأدبه، وإن كان قد كتب قبلها رواية «نائب عزرائيل» عام1947، وفى «أرض النفاق »انتقد السباعى مظاهر الفساد، والظلم الاجتماعى فى العهد الملكى، ودعا إلى الثورة على هذه الأوضاع، من خلال براعته فى استخدام الرمز فهو يصور تاجر أخلاق يعمل بالجملة والقطاعى يبيع حبوب الشجاعة لبطل الرواية، والتى يستخدمها لمدة عشرة أيام فيحاول تغيير واقعه، وما يراه فيه من مفاسد، ويرسم السباعى فى روايته صورة كاريكاتيرية ساخرة لبطله الذى حاول التغيير فإذ به «راقد بلا حراك، وارم العينين، مشجوج الرأس، تعارك مع حماته، مع سائق الأتوبيس، ومع باشجاويش القسم، ومع رجل يضرب امرأته» ثم تعارك مع رئيسه، وتقدم فى عمله بمشروع كانت نتيجته الكشف على قواه العقلية لكن بطل الرواية لم يستسلم، ودفع إلى النهر بمسحوق الأخلاق المُركز ليغير به الناس فى مدينته، ويغير ما يحيط بهم من ظروف.

وهذا القالب الخيالى الفانتازى كما رآه النقاد هو محاولة للتغلب على قيود التعبير، والتغلب على قمع الرأى فى العهد الملكى، ولم تكن رواية «أرض النفاق» وحدها فى أعمال السباعى التى تميزت بالرومانسية الثورية لكن كانت هناك مجموعة قصصية بعنوان «يا أمة ضحكت»، وكتب عنها توفيق الحكيم يقول: إن هذه المجموعة القصصية تثبت أن أهل القلم فى مقدمة من كتبوا ضد الفساد، وهم الذين بشروا بالثورة، ورفض القول بأن أهل القلم كانوا يحملقون فى الفراغ، ولا يسجلون غير مشاعر أهل المريخ، وأن من يقول ذلك يكذب على أدب القصة كما يكذب على الثورة، وقد اعتبرت د.بنت الشاطئ أن رواية «أرض النفاق» هى من جهاد القلم فى المعركة قبل الثورة، ووصفت السباعى بأنه ذو موهبة فى معالجة أقسى المواقف بأسلوب ساخر يقطر مرارة، وينضح ثورة، ويضج بضحك كالبكاء»، ومن أهم التحليلات النقدية التى تناولت أسباب هذه الرومانسية الثورية ما كتبه غالى شكرى يقول: إن تاريخ رواية «نائب عزرائيل» ليوسف السباعى، و«زقاق المدق» لنجيب محفوظ هو عام1947، فصورا مأساة الإنسان فى الحربين العالميتين، حيث جوهرهما هو أزمة أخلاق، أطماع وشهوات تتجمع فى صدور قادة العالم فيتناحرون على المغانم مهما كان الغُرم فادحًا، والرؤية الرومانسية للمأساة من شأنها تضخيم الانفعالات، والمبالغة فى تجسيمها من ناحية، وتصوير دور الفرد فى التاريخ تصويرًا أقرب إلى الخيال الكاريكاتورى»، وبعد قيام الثورة كان أدب السباعى أدبًا طليعيًا واكب أحداث الثورة، وأطلق عليه نجيب محفوظ لقب «جبرتى العصر »لأنه سجل بكتاباته الأدبية أحداث ثورة 1952 منذ قيامها حتى بشائر النصر فى حرب أكتوبر المجيدة عبر أعماله: «رُدَّ قلبى»، و«جفت الدموع»، و«ليل له آخر»، «وأقوى من الزمن»، و«العمر لحظة».

ويوسف السباعى أيضًا قد صور فى أدبه الحياة الشعبية بكل صورها، وألوانها ومظاهرها، فكتب عن كثير من العادات والتقاليد فى مطلع القرن الماضى، وخاصة فى روايته «السقا مات» حيث كشف عن حس عميق بالحياة الشعبية، كما يقول محمد مندور، فقد صوَّر أدق تفاصيلها فى أحياء الحسينية والدروب والأزقة، لقد بدأ بطل روايته تلك بالحب وانتهى إليه، فقد أوصته حبيبته «آمنة »بأن يسقى شجرة حناء كانت تتعهدها بالسُقيا، فهو سقاء الحى فقام بذلك، ويتزوجها وينجب منها «سيد» لكنها تتوفى باكرًا فيعكف على رعاية أمها المسنة، وطفله «سيد» ويُجير« شحاتة» أفندى فى منزله لفاقته، وعُسره المادى، ثم يحمل مسئوليته من بعده فى السير أمام الجنازات، يرتدى بذلة سوداء حاملا قمقما، ويناقش السباعى فى هذه الرواية قضية الإنسان الوجودية، وصراعه بين الموت والحياة، فتحفل الرواية بأصوات الحياة، وترسم صورا حية لشوارع القاهرة: البغالة، ووكالة الليمون، وبيت القاضى، ودرب السماكين، ومستوقد الحسينية، كما صوَّر أعمال النجارين، وبائعى القباقيب، والعطارين، والنحاسين.

ووصف صور الفقد: رحيل «زوجة شوشة»، وأمها، ورحيل شحاتة صديق شوشة، ويُتم سيد بعد رحيل كل هؤلاء، ليرسم لنا فى براعة صراع الإنسان، وبطولته لأنه يسعى ويعمل ويكد، ويسقى شجرة رغم أنه يعلم أنه راحل، ومن هنا تكمن أسرار عظمته وإنسانيته.