كيف نجحت دولة 30 يونيو فى إنهاء أكبر أزمة بتاريخ المعاشات
أموال التأمينات من «تشابكات» يوسف بطرس غالى إلى استرداد الحقوق
إسلام عبدالرسول
لم يكن إصلاح ملف أموال التأمينات بعد ثورة 30 يونيو، مجرد سداد مديونيات متراكمة، بل إعادة بناء لمنظومة ظلت لسنوات تعانى من تشابكات مالية معقدة بين الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى، والخزانة العامة للدولة، وبنك الاستثمار القومى، وهى التشابكات التى تفاقمت خلال السنوات التى ارتبط فيها الملف بوزارة المالية فى عهد الدكتور يوسف بطرس غالى وزير المالية الأسبق.
وبعد أن تحول الملف إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، وضعت الدولة بقيادة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، إطارًا قانونيًا وماليًا جديدًا أنهى حالة الغموض، وحدد حجم الالتزامات وآلية سدادها عبر قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، لتنتقل القضية من مرحلة الجدل حول مصير أموال التأمينات إلى مرحلة استرداد الحقوق وفق جدول زمنى ملزم يضمن انتظام الوفاء بالتزامات الدولة تجاه أصحاب المعاشات.
بعد مرور نحو سبع سنوات على بدء تنفيذ خطة السداد، لم تعد القضية المطروحة هى فقط: «أين ذهبت أموال التأمينات؟»، وإنما أصبح الملف أكثر وضوحًا لضمان أحقية التأمينات فى استرداد أموالها لدى وزارة المالية، فوفقًا للبيانات الرسمية، كانت صناديق التأمينات الاجتماعية تودع فوائض أموالها لدى بنك الاستثمار القومى، الذى كان يتولى إعادة توظيف هذه الأموال فى تمويل استثمارات الخطة العامة للدولة.
وبمرور الوقت، أصبحت هذه الأموال تمثل أحد مصادر التمويل المهمة للاستثمار العام، بينما تحولت العلاقة بين الصناديق والبنك إلى حسابات متشابكة تضم أصل الأموال والفوائد المستحقة عليها.

وهنا بدأت المشكلة الحقيقية، ففى نهاية العام المالى 2005/2006، بلغت مستحقات صندوقى التأمين والمعاشات لدى بنك الاستثمار القومى نحو 241.4 مليار جنيه.
لكن الرقم، الذى أصبح لاحقًا أحد أشهر الأرقام فى ملف أموال التأمينات، لم يكن كله أصل أموال محولة من الصناديق، فوفق البيانات التى تم تداولها رسميًا فى تلك الفترة، بلغ أصل الأموال المحولة نحو 69 مليار جنيه، بينما مثلت الفوائد المرسملة نحو 172.4 مليار جنيه.
مع تولى يوسف بطرس غالى، حقيبة وزارة المالية، أصبح ملف التأمينات واحدًا من الملفات التى ارتبطت باسمه سياسيًا وإعلاميًا، إذ تصاعد فى السنوات الأخيرة من نظام الرئيس الأسبق حسنى مبارك، الجدل حول أموال التأمينات، وظهرت اتهامات سياسية وبرلمانية تتحدث عن أرقام ضخمة قيل إنها تخص أموال أصحاب المعاشات، ومن بين تلك الأرقام، رقم 121 مليار جنيه، فى إطار اتهامات تتعلق بمصير أموال التأمينات، وتوظيفها فى غير صالح ملاكها.
ففى ذلك الوقت لم تتعامل الدولة مع أموال الصناديق، باعتبارها أموالًا ضائعة، بل باعتبارها جزءًا من منظومة مالية يتم استثمارها من خلال بنك الاستثمار القومى، لكن مع مرور الوقت، تراكمت المديونية، وأصبح استرداد الأموال فى صورة سيولة نقدية أمرًا غير واقعى من دون إحداث ضغوط كبيرة على المالية العامة.
وكانت الدولة، تستخدم جزءًا من موارد التأمينات فى تمويل الاستثمار العام، بينما كانت الهيئة تحتاج إلى هذه الأموال لتغطية التزاماتها المستقبلية تجاه أصحاب المعاشات، ومع زيادة عدد أصحاب المعاشات وارتفاع قيمتها، أصبح من الضرورى إعادة النظر فى هذا النظام بالكامل.
جاءت ثورة يناير 2011، لتعيد فتح ملف أموال التأمينات على نطاق واسع، حيث بدأت تظهر مطالبات بالكشف عن حجم الأموال الحقيقية التى تخص التأمينات، ومكان استثمارها، والعائد الذى حققته، وكيفية التعامل مع المديونيات المستحقة لها.
وفى سبتمبر 2014، كانت تقديرات أموال الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى، تشير إلى نحو 574.1 مليار جنيه، موزعة على مجموعة متنوعة من الأدوات والأصول.
مع تولى السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، رئاسة البلاد فى 2014، وضع حلًا جذريًا لهذا الملف، بعدما بدأ التعامل مع ملف التشابكات المالية باعتباره جزءًا من إصلاح المالية العامة.
وكان ملف التأمينات أحد أكثر الملفات حساسية؛ لأن الطرف الآخر فى المعادلة ليس مجرد جهة حكومية، وإنما ملايين المواطنين الذين يعتمدون على المعاشات كمصدر دخل رئيسى.
وبدأت عمليات مراجعة وتدقيق لحجم الأموال والمستحقات، بالتزامن مع دراسة الطريقة الأكثر ملاءمة لتسوية هذه الالتزامات دون تحميل الموازنة العامة عبئًا فوريًا يصعب تحمله.
وبدأ الاتجاه إلى إعادة صياغة العلاقة بالكامل، فبدلًا من استمرار التشابك بين التأمينات والخزانة وبنك الاستثمار القومى، أصبح المطلوب تحديد مديونية واضحة، ثم وضع آلية سداد منتظمة.
وجاء قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، ليضع الإطار القانونى الجديد، إذ لم يقدم حلًا سحريًا فقط للأزمة، لكنه وضع آلية للتعامل مع المديونية التاريخية.
ووفقًا للآلية الجديدة، يتم سداد الالتزامات المستحقة للتأمينات على أقساط سنوية، تمتد إلى 50 عامًا، وفقًا للدراسة الإكتوارية التى أعدت لهذا الغرض، وبدأت قيمة القسط السنوى بنحو 165.5 مليار جنيه فى السنة المالية 2019/2020، مع زيادة سنوية مركبة تبلغ 5.9%.
لكن فى المقابل، أصبحت الموازنة العامة أمام التزام طويل الأجل يمتد لعقود من 165 مليارًا إلى أكثر من 250 مليار جنيه، مع مرور السنوات، ارتفعت قيمة الأقساط السنوية نتيجة تطبيق الزيادة المحددة فى القانون.
وبحلول السنة المالية 2026/2027، وصلت قيمة القسط السنوى المستحق للهيئة القومية للتأمين الاجتماعى إلى نحو 254.8 مليار جنيه.
التحول الأكبر فى السنوات الأخيرة، يتمثل فى أن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى، لم تعد فقط جهة تصرف معاشات، وإنما أصبحت واحدة من أكبر المؤسسات التى تدير أموالًا واستثمارات.
وحصلت «روزاليوسف»، على قرار رسمى يمنح صناديق التأمينات عائدًا مرتفعًا هذا العام، مقابل السنوات الماضية بعد تعديلات المادة 111، ووفقًا للقرار الذى تنفرد «الجريدة» بنشره «يكون سداد الأجزاء من يوليو 2026 حتى يونيو 2027 خلال الأسبوع الأخير من كل شهر بواقع 21.2 مليار جنيه شهريًا ما بين سداد نقدى أو سندات جديدة
وتلتزم وزارة المالية، بإبرام قسط سنوى المنشور إليه بزيادة 6.6 % مركبة سنويًا اعتبارًا من 01/07/2027، وتضاف نسبة0.2 % سنويًا إلى نسبة زيادة القسط حتى تصبح هذه النسبة 7 %مركبة بدءًا من 01/07/2029، كما يضاف إلى قيمة القسط السنوى مبلغ مليار جنيه سنويًا بدءًا من 01/07/2027 لمدة أربع سنوات، ويسدد القسط لمدة خمس وأربعين سنة.
كما ألزم القرار، وزارة المالية بتحمل الخزانة العامة للدولة المعاشات الاستثنائية المقررة بالقانون رقم 71 لسنة 1964، والتى تقرر اعتبارًا من تاريخ العمل بأحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات المشار إليه، وفقًا للتكلفة الفعلية.
بالإضافة إلى أن تتحمل الخزانة العامة للدولة أيه مزايا إضافية تقرر من تاريخ العمل بأحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات المشار إليه، سواء عكس زيادة للمزايا أو استحداث مزايا جديدة أو تقرير لفئات.
وقالت مصادر مسئولة بوزارة المالية لجريدة «روزاليوسف»، أنه يتم سنويًا الوفاء بجميع التزامات الخزانة العامة تجاه صناديق التامينات، إذ تتولى سداد مستحقات أصحاب المعاشات وسداد كل التزاماتها، مؤكدة أن الموازنة العامة تتضمن دعمًا للصناديق وتلتزم الحكومة بتحويل الأموال.
وأضافت مصادر بالهيئة القومية للتأمينات لجريدة «روزاليوسف»، أن الفضل يعود للسيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى جعل الأمر أكثر وضوحًا، ونظم عملية حصول الهيئة على مستحقاتها طرف الخزانة العامة للدولة عبر آلية واضحة وفعالة.
وبحسب القرار، تتمثل التزامات الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى «صندوق التأمين الاجتماعى»، فى تحمل المعاشات المستحقة حتى تاريخ العمل بأحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات المشار إليه، وعدم مطالبة الخزانة العامة بها، كما تتحمل التزامات الخزانة العامة المنصوص عليها فى المادتين الثانية والثالثة من القانون رقم 148 لسنة 2019 بإصدار قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات.
وكذلك تتحمل «الهيئة»، مساهمة الخزانة العامة للدولة بالنسبة للفئات المشار إليها بالبند رابعًا من المادة «2» من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات المشار إليه، وعدم مطالبة الخزانة العامة بهذه المساهمة، كما تتحمل العجز الاكتوارى فى نظام التأمين الاجتماعى حتى تاريخ العمل بأحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات المشار إليه.
وتلتزم وزارة المالية، «الخزانة العامة للدولة»، بسداد مبلغ 11.4 مليار للهيئة القومية للتأمين الاجتماعى فى 30 يونيو 2026، كما من المقرر أن يجتمع وزراء المالية، والتضامن الاجتماعى، ورئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى، فى شهر مارس من كل عام للاتفاق على آلية سداد القسط السنوى اللاحق وخطة التدفقات.
ويؤكد الدكتور فخرى الفقى، الخبير الاقتصادى، الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أن ما يحدث من تجدد أزمة أموال التأمينات غير مبرر، إذ إن المديونيات تم رصدها وأصبح لدينا آلية لسدادها بانتظام وأزمة التشابكات المالية هى مشكلة اقتصادية معروفة تم وضع حل قاطع لها.
ويشير «الفقى»، إلى أن وزارة المالية سددت للهيئة القومية للتأمين الاجتماعى نحو1.356 تريليون جنيه حتى العام الماضي، وهو رقم يكشف حجم التحول الذى شهدته العلاقة بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة.
ويرى الخبير الاقتصادى، أن الدولة دخلت خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة من تسوية هذا الملف، بعدما انتقلت من نظام التشابكات القديمة إلى نظام يقوم على سداد التزامات الخزانة للتأمينات وفق جدول زمنى طويل الأجل.






