السوشيال ميديا ساحة للحروب النفسية الرقمية
دنيا نصر ود.مريم الشريف وزينب ميزار
تحولت منصات التواصل الاجتماعى من مجرد وسيلة للتواصل أو تبادل المعلومات، إلى أحد أبرز الفاعلين فى تشكيل الإدراك العام، بعد أن أصبحت المصدر الأول للأخبار لدى قطاعات واسعة من المواطنين. ومع هذا التحول، باتت تلك المنصات تستحوذ على جانب كبير من انتباه المستخدمين، وتؤثر بصورة مباشرة فى طريقة فهمهم للأحداث وتفاعلهم معها.
ويؤكد خبراء إعلام، فى تصريحات خاصة لـ«روزاليوسف»، أن المنصات الرقمية تجاوزت دورها التقليدى، لتصبح بيئة تؤثر فى الاستقرار النفسى والمزاج العام، بما تحمله من محتوى مثير للجدل، ورسائل متضاربة، وشائعات تنتشر بوتيرة متسارعة.
وفى ظل هذا الواقع، لم تعد الحرب على الوعى تستهدف فقط توجيه الرأى العام، وإنما امتد تأثيرها إلى استنزاف الصحة النفسية للمجتمع، من خلال خلق حالة دائمة من القلق والتوتر وعدم اليقين.
وترى الدكتورة ليلى عبدالمجيد، أستاذ الصحافة وعميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق، أن الحرب النفسية لم تعد ترتبط فقط بأوقات الأزمات، بل أصبحت خطرًا حاضرًا حتى فى الفترات العادية، لما تتركه من آثار سلبية عميقة على الأفراد والمجتمع.
وتوضح أنها تسهم فى نشر الإحباط، وزعزعة الثقة، وإثارة البلبلة والقلق، بما قد يدفع بعض المواطنين إلى اتخاذ قرارات أو تبنى مواقف غير محسوبة، تحت تأثير الضغوط النفسية التى تفرضها الرسائل الإعلامية الموجهة، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعى.
وتضيف أن خطورة الحرب النفسية تتضاعف خلال الأزمات، لأن الأزمة بطبيعتها تخلق حالة من الخوف وعدم اليقين لدى المواطنين، وهو ما يجعل المجتمع أكثر قابلية لتصديق الشائعات والمعلومات المضللة. وفى مثل هذه الأجواء، تنشط حملات التضليل الإعلامى التى تعتمد على الأخبار الكاذبة والمعلومات المفبركة، مستغلة حاجة الجمهور إلى أى معلومة تساعده على تفسير ما يجرى.
وتشير عبدالمجيد إلى أن التطور التكنولوجى منح هذه الحرب أبعادًا أكثر تعقيدًا، بعدما أصبح الذكاء الاصطناعى يُستخدم فى إنتاج صور ومقاطع فيديو مزيفة وصلت إلى مستوى «التزييف العميق» (Deepfake)، وهو ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة، رغم توافر أدوات التحقق. وتلفت إلى أن الضغوط النفسية المصاحبة للأزمات تقلل من قدرة الأفراد على التفكير المنطقى والتقييم الهادئ للمعلومات، الأمر الذى يضاعف من تأثير المحتوى المضلل على الرأى العام.
وتؤكد أن ما يُعرف بـ«الذباب الإلكترونى» أو «اللجان الإلكترونية» لا يعمل بصورة عشوائية، وإنما يتحرك وفق خطط منظمة تستهدف التأثير فى الحالة النفسية للمواطنين وتوجيه إدراكهم للأحداث. وتعتمد هذه الحملات على إعادة نشر الرسائل نفسها عبر منصات متعددة، مثل «إكس» و«فيسبوك» و«يوتيوب»، مع تغيير أساليب العرض والقوالب الإعلامية، بحيث تبدو الرسائل مختلفة فى الشكل، بينما تخدم هدفًا واحدًا يتمثل فى التأثير على المزاج العام، وإثارة الخوف والتوتر، وتقويض الثقة فى قدرة الدولة على إدارة الأزمات.
وتوضح أن استمرار التعرض لهذا النوع من الرسائل يؤدى تدريجيًا إلى تكوين حالة نفسية عامة يسودها القلق وعدم اليقين، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار المجتمع وسلامة الرأى العام. ومن ثم، فإن مواجهة هذا النوع من الحروب يتطلب إدارة احترافية للأزمات، تبدأ بتشكيل خلية أزمة منذ اللحظات الأولى، لا يقتصر دورها على احتواء الحدث، وإنما يمتد إلى إدارة المعركة الإعلامية المصاحبة له.
وترى عبدالمجيد أن من صميم عمل خلية الأزمة إعداد خطة إعلامية متكاملة لمواجهة حملات التضليل، تقوم على رصد مصادرها والتعامل معها بسرعة واحترافية، مع توجيه رسائل إعلامية واضحة ومناسبة لمختلف الفئات المستهدفة، بما يسهم فى الحد من تأثير الشائعات، واستعادة الثقة، وتهيئة الأجواء لعودة الأوضاع إلى طبيعتها فى أسرع وقت.
وتشدد على أهمية تعزيز قيم الانتماء والاصطفاف الوطنى، ودعم تماسك المواطنين خلف مؤسسات الدولة خلال الأزمات، إلى جانب سرعة التحرك الرسمى، حتى لا تتحول الشائعات إلى أداة لإطالة أمد الأزمة أو إضعاف الروح المعنوية للمجتمع، خاصة فى ظل ما تواجهه مصر من تحديات ومحاولات مستمرة للتأثير على استقرارها عبر الفضاءين الرقمى والإعلامى.
مصادر الأخبار
تؤكد الدكتورة إيمان هريدى، أستاذ الإعلام وخبيرة المنصات الاجتماعية، أن جوهر أزمة مواقع التواصل الاجتماعى لا يكمن فى المنصات وحدها، وإنما فى طبيعة تعامل الجمهور معها، موضحة أن شريحة كبيرة من المواطنين لم تعد تعتمد على الصحف اليومية أو شاشات التليفزيون كمصادر رئيسية للأخبار، بل تتجه مباشرة إلى منصات التواصل الاجتماعى، وتتعامل مع ما يُنشر عليها باعتباره حقيقة، رغم أن كثيرًا من المحتوى المتداول لا يعدو كونه شائعات أو أكاذيب إلكترونية.
وتضيف أن خوارزميات منصات التواصل أصبحت مصممة بشكل متزايد على ترقية المحتوى القادر على إثارة المشاعر الحادة، مثل الخوف والغضب والهلع، لأنه يحقق أعلى معدلات التفاعل، وهو ما يجعل هذه المنصات شريكًا غير مباشر فى نشر التوتر والقلق بين المستخدمين.
وتشير «هريدى» إلى أن الذكاء الاصطناعى أسهم بدوره فى تعقيد المشهد، بعدما أصبح يُستخدم فى فبركة مقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية، وإنتاج محتوى مزيف يُنسب إلى مسئولين أو شهود عيان أو شخصيات عامة، بما يزيد من صعوبة كشف الحقيقة فى اللحظات الأولى للأحداث، ويخلق حالة من الارتباك والصدمة لدى المتلقى.
وتنصح بضرورة الابتعاد عن المحتوى الذى يعتمد على إثارة المشاعر السلبية، مؤكدة أن المحتوى المثير للغضب والخوف ينتشر أسرع بخمس مرات من المحتوى الإيجابى، وهو ما يدفع المنصات إلى الإبقاء عليه لفترات أطول بهدف زيادة معدلات التفاعل.
الإجهاد النفسى
من جانبه، يقول الدكتور سيد حسن، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة: إن التعرض المستمر للأخبار المحبطة والصادمة يدفع المجتمع تدريجيًا من مرحلة المتابعة والاهتمام إلى مرحلة الإجهاد النفسى، نتيجة التكرار اليومى للمشاهد المأساوية والأخبار السلبية، فى الوقت الذى يشعر فيه المواطن بعدم قدرته على تغيير الواقع، الأمر الذى يقوده إلى الإحساس بالعجز، ثم اللامبالاة، وربما الاكتئاب الجمعى.
ويؤكد أن التربية الإعلامية أصبحت ضرورة لا غنى عنها، لأنها تعزز ثقة المواطن فى الإعلام المهنى القادر على وضع المعلومات فى سياقها الصحيح، بعيدًا عن التهويل والتخويف اللذين يمثلان الوقود الحقيقى للحرب النفسية التى يجد المواطن نفسه طرفًا فيها دون ذنب. ويضيف إن مواجهة التأثيرات السلبية للمنصات الرقمية تتطلب استراتيجية شاملة لترسيخ الوعى المجتمعى، بما يسهم فى التصدى للحرب النفسية الرقمية، مشيرًا إلى أن غالبية المنصات تعتمد على إثارة الجدل والطاقة السلبية لتحقيق أكبر عدد من المشاهدات والتفاعلات.
ويشدد «حسن» على ضرورة أن يتوقف الجمهور عن متابعة الحسابات التى تقوم على إثارة الجدل واستنزاف الطاقة النفسية للمستخدمين، لما لها من تأثيرات سلبية مباشرة على المزاج العام واستقرار المجتمع.
انتشار الأخبار المفبركة
فى السياق ذاته، يؤكد الدكتور محمود خليل، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، أن منصات التواصل الاجتماعى أصبحت المصدر الرئيسى للأخبار لدى الأجيال الجديدة، التى تعتمد عليها بصورة شبه كاملة فى متابعة الأحداث، مشيرًا إلى أن هذه المنصات تشهد انتشارًا واسعًا للأخبار المفبركة والشائعات والمعلومات الزائفة، التى يتم إنتاج كثير منها باستخدام برمجيات الذكاء الاصطناعى أو التطبيقات الذكية المتاحة عبر الإنترنت، بما فى ذلك تقنيات التزييف العميق (Deepfake) التى تقدم محتوى مزيفًا يبدو شديد الواقعية.
ويضيف إن الشائعات لا تجد طريقها إلى الانتشار إلا فى ظل غياب المعلومات الرسمية الدقيقة، ولذلك فإن الدولة مطالبة، خاصة خلال الأحداث الكبرى أو القضايا التى تحظى باهتمام الرأى العام محليًا وإقليميًا ودوليًا، بتقديم المعلومات الصحيحة بصورة عاجلة، وعدم التباطؤ فى إعلان الحقائق.
ويوضح «خليل» أن أى تأخير فى إصدار المعلومات الرسمية يفتح الباب أمام القيل والقال، ويمنح الشائعات والمعلومات الزائفة مساحة واسعة للانتشار، مؤكدًا أن ضبط إيقاع المعلومات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعى يتوقف بدرجة كبيرة على قدرة أجهزة الدولة على الاستجابة السريعة والمرنة والدقيقة للأحداث التى تشغل الرأى العام، حتى لا يُترك المجال للمعلومات غير الموثقة، أو لوسائل الإعلام الأجنبية، أو للجهات المعادية التى تسعى إلى التشكيك فى قدرة الدولة على إدارة الأزمات وبث روايات غير دقيقة حولها.
الوعى سلاح الشعوب
وترى النائبة هند رشاد، عضو لجنة الإعلام بمجلس النواب، أن منصات التواصل الاجتماعى أصبحت تمثل أحد أخطر التحديات التى تواجه المجتمعات، إذا لم يمتلك المتلقى القدر الكافى من الوعى، مؤكدة أن الوعى يظل السلاح الأهم فى الحفاظ على كيان الدولة ومؤسساتها ومقدراتها، فى ظل ما تمثله هذه المنصات من بيئة خصبة لترويج الشائعات ومحاولات توجيه الرأى العام.
وتصف «رشاد» مواقع التواصل الاجتماعى بأنها من أكثر الظواهر تأثيرًا فى القرن الحادى والعشرين، لما تملكه من قدرة كبيرة على الانتشار السريع وصناعة اتجاهات الرأى العام، الأمر الذى يفرض على المواطنين ضرورة التحلى بالوعى عند التعامل مع ما يُنشر عليها.
وتؤكد أن المسئولية الأولى تقع على عاتق المستخدم فى انتقاء مصادر معلوماته، مشددة على أهمية الاعتماد على البيانات الرسمية والمصادر الموثوقة وآراء الخبراء والمتخصصين، بدلًا من الانسياق وراء الآراء الشخصية أو المنشورات غير الموثقة المتداولة عبر صفحات التواصل الاجتماعى.
وتضيف أن جماعة الإخوان وغيرها من الجهات المعادية تنتظر أى فرصة أو ثغرة لإثارة البلبلة داخل المجتمع، إلا أنها تؤكد فى المقابل أن الرهان الحقيقى يظل على وعى المواطن المصرى وقدرته على التمييز بين الحقيقة والشائعة.
وتشير إلى أن للمثقفين وأصحاب الفكر والإعلاميين دورًا محوريًا فى مواجهة الأخبار المضللة، من خلال الالتزام بميثاق الشرف الإعلامى، والعمل وفق المعايير المهنية التى تضمن تقديم معلومات دقيقة وموثقة، بما يعزز قدرة المجتمع على التصدى للشائعات، خاصة أن منصات التواصل الاجتماعى يصعب إخضاعها لرقابة كاملة أو لقوانين تنظم كل ما يُنشر عليها.
حروب العصر الرقمى
فى السياق ذاته، تؤكد الدكتورة هبة السمرى، عميدة كلية الإعلام بجامعة النهضة، أن الحرب النفسية فى العصر الرقمى لم تعد تعتمد على قوة الرسالة الإعلامية بقدر اعتمادها على سرعة انتشارها، وقدرتها على استثارة الانفعال الجمعى قبل أن تتاح الفرصة للتحقق من صحة المعلومات.
وتوضح أن تطور منصات التواصل الاجتماعى جعل من إدارة الإدراك العام (Perception Management) إحدى أهم أدوات الصراعات الحديثة، إذ تسعى الجهات المعادية إلى استغلال لحظات الأزمات والكوارث والأحداث المفاجئة لإحداث حالة من الارتباك المعرفى، وبث الخوف، وإضعاف الثقة، وتضخيم الأحداث بما يتجاوز حجمها الحقيقى.
وتضيف إن خطورة هذا النمط من الحروب تكمن فى أن الجمهور لم يعد مجرد متلقٍ للمعلومات، بل أصبح شريكًا فى إنتاجها وإعادة نشرها، مشيرة إلى أن مشاركة صورة قديمة، أو مقطع فيديو خارج سياقه، أو معلومة غير موثقة، قد تؤدى إلى توسيع دائرة القلق والارتباك داخل المجتمع، حتى وإن تم ذلك بحسن نية.
وتلفت إلى أن الحملات المنظمة تستغل ما يُعرف بـ«فراغ المعلومات» الذى ينشأ خلال الساعات الأولى من وقوع الأزمات، حيث تسبق الروايات غير الموثقة الحقائق، ويتقدم الانفعال على التفكير النقدى، فتنتشر الشائعات بسرعة كبيرة، بينما يصبح تصحيح آثارها لاحقًا أكثر صعوبة.
وترى السمرى أن دور الإعلام خلال الأزمات يتجاوز مجرد نقل الأخبار، ليصبح إحدى أهم أدوات حماية الوعى العام وتعزيز الاستقرار المجتمعى، موضحة أن الإعلام المهنى مسئول عن تقديم المعلومات الدقيقة فى توقيتها المناسب، وشرح أبعاد الحدث بلغة واضحة، والتمييز بين الحقائق المؤكدة والتوقعات أو التحليلات، مع تجنب الإثارة والمبالغة التى قد تزيد من مشاعر الخوف والفوضى.
وتشدد على أن وسائل الإعلام ينبغى أن تتحول فى أوقات الأزمات من مجرد ناقل للأحداث إلى منصة للتوعية والتفسير والطمأنة القائمة على الحقائق، وذلك من خلال استضافة الخبراء والمتخصصين، وشرح طبيعة الأزمة وآليات التعامل معها، وتقديم إرشادات عملية للمواطنين، إلى جانب إبراز الجهود التى تبذلها مؤسسات الدولة لاحتواء الموقف.
وتضيف أن الإعلام يجب أن يبتعد عن سباق الانفرادات غير الموثقة، لأن الأولوية فى مثل هذه الظروف لا تكون للسبق الصحفى، وإنما للدقة، والمسئولية، وحماية الصالح العام.
وتختتم السمرى بالتأكيد أن الإعلام المسئول يمثل خط الدفاع الأول فى مواجهة الحرب النفسية، لأنه القادر على تحويل الأزمات من مساحة خصبة للشائعات والارتباك إلى فرصة لتعزيز الوعى وترسيخ الثقة. وتشدد على أن تكامل الأداء الإعلامى المهنى مع الاتصال الحكومى الشفاف، إلى جانب ارتفاع مستوى الوعى المجتمعى، من شأنه أن يحد من تأثير الحملات المعادية، ويجعل المجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة الأزمات بثبات ووعى ومسئولية.






