الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

معركة العقول

كيف يحمى الوعى الأمن القومى؟  



أكد عدد من الخبراء فى السياسة والتاريخ فى تصريحات خاصة لــ «جريدة روز اليوسف»، أن الوعى يمثل إحدى الركائز الأساسية للأمن القومى، وأن الاصطفاف الوطنى خلف مؤسسات الدولة خلال الأزمات يشكل الضمانة الأهم للحفاظ على الاستقرار، لا سيما فى ظل تصاعد ما يعرف بحروب الجيلين الرابع والخامس، التى تستهدف المجتمعات من الداخل عبر بث الشائعات، وترويج الأخبار الكاذبة، وإثارة البلبلة، ومحاولة تقويض الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

 

أكد الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، أهمية الوعى بقضايا الأمن القومى، خاصة فى المرحلة الراهنة التى شهدت ظهور أشكال وأنماط جديدة من الحروب، لا تعتمد على المواجهات المسلحة بين الجيوش النظامية، وإنما ترتكز على أدوات أخرى، مثل نشر الشائعات والأخبار المغلوطة، وبث مشاعر الإحباط واليأس داخل المجتمع، بما يؤدى إلى إضعاف الدولة من الداخل دون صدام عسكرى مباشر.

 ويوضح أن هذا النمط يُعرف بحروب الجيلين الرابع والخامس، وهى حروب نفسية لا تقل خطورة عن الحروب التقليدية، بل قد تتجاوزها فى تأثيرها، مشددًا على أن وعى المواطنين يمثل خط الدفاع الأول فى مواجهتها، لأنه يمنحهم القدرة على التمييز بين المعلومات الصحيحة والأخبار المضللة.

ويشير بدر الدين إلى أن جميع مؤسسات الدولة تضطلع بدور محورى فى رفع مستوى الوعى وتعزيزه، بما يرسخ الاصطفاف الوطنى والتلاحم بين مختلف فئات المجتمع، ويعزز تمسك المواطنين بمؤسساتهم وقيادتهم، بحيث يصبح الجميع كيانًا واحدًا فى مواجهة التحديات. ويضرب مثالًا بوزارة الثقافة وقصور الثقافة وما تنظمه من ندوات تسهم فى تعزيز وعى المواطنين بالأزمات، وكذلك وزارة الشباب ومراكز الشباب التى يمكن أن تستضيف لقاءات توعوية لشرح الحقائق والمستجدات، فضلًا عن الدور المهم للأحزاب السياسية فى رفع وعى أعضائها، بما يمنحهم حصانة فكرية فى مواجهة هذا النوع من الحروب، إلى جانب الدور الحيوى الذى تؤديه وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.

ويضيف أن التاريخ المصرى يقدم نماذج عديدة للالتفاف الشعبى حول الدولة، وفى مقدمتها مرحلة ما بعد هزيمة يونيو 1967، حيث التفّ الشعب حول القيادة رغم قسوة الهزيمة، وكان هذا التماسك أحد العوامل التى مهدت لتحقيق نصر أكتوبر 1973، بعد سنوات قليلة. ويؤكد أن مواجهة أى أزمة، حتى وإن كانت اقتصادية، تتطلب إرادة شعبية وتلاحمًا ورفعًا لمستوى الوعى، مشددًا على أن التماسك والالتفاف حول مؤسسات الدولة يمثلان ركيزة أساسية لدعم الأمن القومى، لأن أى تهديد له لا يطال فردًا أو فئة بعينها، وإنما ينعكس سلبًا على المجتمع بأسره.

ويوضح أستاذ العلوم السياسية، أن أى أزمة تواجهها الدولة تنعكس بصورة مباشرة على أمنها القومى، وهو ما يجعل الوعى عنصرًا حاسمًا فى مواجهتها والحفاظ على تماسك المجتمع، محذرًا من أن غياب الوعى يؤدى إلى تفكك النسيج المجتمعى واختلال الوحدة بين فئاته، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومى، بينما يسهم التماسك بين المواطنين ومؤسسات الدولة والقيادة السياسية فى تحقيق آثار إيجابية تعزز الاستقرار.

اختبار لتماسك المجتمع

من زاوية أخرى، تضع الدكتورة غادة جابر، أستاذ العلوم السياسية، المواطن فى قلب منظومة الأمن القومى، معتبرة أن الأزمات والظروف الاستثنائية تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى تماسك المجتمع وقدرته على حماية أمنه واستقراره، مشيرة إلى أن المواطن شريك أساسى فى الحفاظ على الأمن القومى من خلال التحلى بالوعى وتحمل المسئولية الوطنية.

وتوضح أن دور المواطن خلال الأزمات يتجسد فى الالتزام بالقوانين والتعليمات الصادرة عن مؤسسات الدولة، والامتناع عن نشر أو تداول الشائعات والمعلومات غير الموثقة، ودعم جهود مؤسسات الدولة، والحفاظ على الممتلكات العامة، وتعزيز قيم التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع، إلى جانب الاصطفاف خلف القيادة السياسية.

وتلفت إلى أن مفهوم الأمن القومى لم يعد يقتصر على البعد العسكرى، بل أصبح مفهومًا شاملًا يمتد إلى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، الأمر الذى يجعل وعى المواطن وقدرته على التمييز بين الحقيقة والشائعة عنصرًا رئيسيًا فى حماية المجتمع، خاصة مع إدراك أن بعض الأحداث قد تكون جزءًا من محاولات تستهدف التأثير على الرأى العام أو النيل من تماسك الدولة.

معركة الوعى

فى السياق ذاته، يؤكد الدكتور محمد عفيفى، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، أهمية وعى المواطن خلال الأزمات، خاصة فى القضايا المرتبطة بالأمن القومى، موضحًا أن الوعى لا يخدم الدولة وحدها، وإنما يخدم المجتمع بأكمله باعتبار الدولة جزءًا منه. 

ويشدد على ضرورة الالتفاف الشعبى حول الدولة فى أوقات الأزمات، مستشهدًا بالنماذج التاريخية التى جسدت هذا التلاحم خلال حروب 1956 و1967 و1973.

ويشير إلى أن العديد من دول العالم، مثل فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة، تشهد حالة من الاصطفاف الوطنى فى القضايا القومية، مؤكدًا أن الشفافية وتوفير المعلومات الدقيقة يمثلان عنصرين أساسيين لتمكين المواطن من تكوين رؤية صحيحة ورفض الشائعات، وهو ما يبرز أهمية الدور الذى تضطلع به وسائل الإعلام فى نقل الصورة الحقيقية للمواطن، لأن الاصطفاف الوطنى يقوم على المعرفة الصحيحة، وهو ما يجعل الشفافية والإعلام المسئول ركيزتين أساسيتين لتحقيق هذا الهدف.

استهداف الشباب

أما الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث، فيتناول جانبًا آخر من معركة الوعى يتمثل فى استهداف الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعى، مؤكدًا أن ما تشهده هذه المنصات من محاولات للتأثير فى أنماط التفكير يمثل خطرًا حقيقيًا يستوجب اليقظة المجتمعية، والانتباه إلى مصادر الشائعات التى تتدفق يوميًا عبر مواقع التواصل، مع ضرورة تحرى الدقة، والتأكد من صحة المعلومات، والقيام بدور إيجابى فى نشر الحقائق، وتنبيه المحيطين من الأهل والأصدقاء إلى خطورة الكتائب الإلكترونية التى تستهدف الدولة المصرية.

ويرى شقرة أن انتشار بعض هذه الأفكار لا يعود إلى قوة تلك المجموعات بقدر ما يرتبط بتراجع دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية فى أداء رسالتها التقليدية فى بناء الشخصية الوطنية، مؤكدًا أن المجتمع المصرى كان أكثر قدرة فى السابق على مقاومة محاولات الغزو الثقافى التى استهدفت ركائز الهوية الثلاث: اللغة، والدين، والتاريخ. ويشدد على أهمية تحقيق التكامل بين مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وعدم الاكتفاء بإحياء دورها فقط، إلى جانب تفعيل دور الأسرة، والمسجد، والكنيسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، والوزارات المعنية بالشباب، حتى تتمكن جميعها من مواجهة الغزو الثقافى والسموم الفكرية التى تبثها الكتائب الإلكترونية.  ويؤكد أن هذا الواقع يفرض ضرورة الحفاظ على التماسك الداخلى والتجانس المجتمعى، لافتًا إلى أن انتشار الشائعات خلال الأزمات يمثل سلاحًا بالغ الخطورة، الأمر الذى يستوجب الاصطفاف خلف الدولة المصرية، وضبط النفس، وانتظار البيانات الرسمية الدقيقة بما يحقق مصلحة الوطن.

الكتائب الإلكترونية

فى الإطار نفسه، يؤكد الدكتور أحمد عبدالدايم، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة القاهرة، أنه فى ظل الثورة التكنولوجية وانتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى بأشكالها المختلفة، ظهرت الكتائب الإلكترونية التى تعمل على نشر الشائعات وتسريب المعلومات المغلوطة بهدف إثارة البلبلة داخل المجتمع.

ويضيف أن الشعب المصرى يتمتع بدرجة كبيرة من الذكاء والوعى والانتماء الوطنى، وهو ما يجعله أقل قابلية للانسياق وراء الأخبار الكاذبة أو المعلومات مجهولة المصدر، مؤكدًا أن الغالبية العظمى من المواطنين أصبحت أكثر قدرة على التمييز بين الحقائق والشائعات، وهو ما يفسر استمرار التفاف المجتمع حول الدولة فى مختلف الأزمات.

ورغم ذلك، يشدد على أن هذا الوعى يحتاج إلى تنمية مستمرة من خلال توظيف المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية والدينية فى رفع وعى الشباب بكيفية التعامل مع الأزمات، بما يحد من تأثير الحملات المنظمة التى تستهدف المجتمع، ويسهم فى بناء جيل يمتلك حصانة فكرية ووطنية قادرة على مواجهة أى محاولات تخريبية.

وفى هذا السياق، يؤكد أهمية ترسيخ قيم الانتماء داخل المدرسة والأسرة، وتعزيز دور الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف فى إعداد الدعاة والأئمة وتأهيلهم للقيام بدورهم فى نشر الوعى، انطلاقًا من أن بناء الإنسان الواعى يمثل الاستثمار الأهم لحماية الأمن القومى على المدى الطويل.

الفراغ المعلوماتى

فيما يرى الدكتور طارق فهمى، أستاذ العلوم السياسية، أن الأزمات تمثل البيئة الأكثر نشاطًا للمنصات المعارضة والمناهضة، التى تعتمد على أدوات الحرب النفسية والتأثير السيكولوجى لتوجيه الرأى العام، مستغلة سرعة انتشار المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعى، مشيرًا إلى أن هذه المنصات لا تكتفى بنشر الشائعات، بل تمزج بين معلومات صحيحة وأخرى مضللة لإضفاء قدر من المصداقية على رواياتها، مع الاعتماد على حسابات وهمية وأخرى مؤثرة لإعادة تدوير المحتوى وتوسيعه.

ويلفت »فهمى»، إلى أن أجهزة استخبارات فى عدد من دول العالم توظف الفضاء الإلكترونى كأحد ميادين العمل الاستخباراتى، منوهًا إلى أن الاستخبارات الإسرائيلية تمتلك وحدات متخصصة فى هذا المجال يتم تطويرها بصورة مستمرة، وتستخدم وسائل متعددة للتشويش على أداء الدول، وفرض روايات بديلة تستهدف إرباك الرأى العام والتشكيك فى مؤسسات الدولة.

ويؤكد أستاذ العلوم السياسية، أن مواجهة هذا النمط من الحروب المعلوماتية لا تتحقق إلا بسرعة التحرك الرسمى، وطرح الرواية المعتمدة منذ اللحظات الأولى، حتى إذا كانت المعلومات لا تزال قيد الاستكمال، مع توضيح أن التحقيقات جارية وأن الحقائق ستعلن فور التحقق منها لأنها تترك فراغًا معلوماتيًا.

وحسب تصريحات »فهمى«، إن هذا الفراغ يمنح المنصات المناهضة فرصة لملئه بالشائعات والتأويلات، بما يفرض سردية مغايرة يصعب تصحيح آثارها لاحقًا، مضيفًا: “ أن البعد السيكولوجى فى هذه المواجهة يعتمد على قدرة الدولة على فرض روايتها وعدم السماح للروايات الأخرى بالتمدد، مستشهدًا بما صاحب حادث دمياط من تعليقات وتحليلات صدرت عن غير المتخصصين، مؤكدًا أن كثيرًا منها يفتقر إلى الخبرة لكنه يظل قادرًا على التأثير، خاصة عندما تدعمه حسابات وهمية تعمل على تضخيمه وإظهاره، وكأنه يمثل رأيًا عامًا واسعًا.

ويوضح »الخبير السياسى«، أن الشفافية وسرعة الاستجابة، والإدارة المهنية للأزمات، تمثل الركائز الأساسية لإحباط محاولات التضليل، مشددًا على أن سرعة تقديم المعلومات الموثقة للرأى العام، هى الوسيلة الأهم لمنع الشائعات من التوسع وحرمان المنصات المناهضة من استغلال أى فراغ معلوماتى.