محمد بغدادي
وصاح جاهين: «إحنا بقينا كتير يا فؤاد»!
فى مساء صيفى عام 1962، التقى بجمعية الأدباء المهندس سيد حجاب القادم من المطرية حاملا معه مخطوطة ديوانه الأول “صياد وجنية”، والقادم من الإسكندرية المجند فؤاد قاعود، ليقضى فترة تجنيده بالقاهرة، حاملا معه أشعاره والتى بدأ ينشرها على صفحات “صباح الخير”، فى باب جديد استحدثه الشاعر الكبير صلاح جاهين تحت عنوان: “شاعر جديد يعجبني”، والقادم من الجنوب عبد الرحمن الأبنودى حاملا معه أول دواوينه “الأرض والعيال”، وكانت تلك الأصوات الشعرية الجديدة تبحث عن آذان تسمعها، وصفحات تتسع لقصائدهم، وكانت فرحة فؤاد قاعود بزملائه الشعراء كبيرة، فقرر أن يصحبهم معه لزيارة صلاح جاهين فى منزله، الذى تعرف عليه من قبلهم، ليلتقوا جميعا بالشاعر الكبير صلاح جاهين لأول مرة.
وعندما اتخذوا مقاعدهم فى حضرة الشاعر الكبير، بدأ صلاح جاهين يستمع إليهم فى صمت مريب، فقرأ سيد حجاب أولى قصائده، وكان جاهين يسمع مطرقا دون أن يلتفت لحجاب، حتى أتم قصيدته الأولى، فطلب أن يسمعه قصيدة ثانية، دون أن يلتفت إليه أيضا، وظن الشاعر الشاب أن القصيدة الأولى لم تعجب جاهين، فبدأ فى إلقاء الثانية، وما إن فرغ منها، حتى طلب جاهين أن يسمعه قصيدة ثالثة، ورابعة، وما إن انتهى منها حتى قام جاهين مهللا فاحتضن الشاعر الشاب، ونظر إلى فؤاد قاعود قائلا: “إحنا بقينا كتير يا فؤاد”، وبدأ سيد حجاب منذ هذا اليوم ينشر قصائده على صفحات مجلة “صباح الخير”، وبدأ إنتاجه الغزير فى التدفق حتى نشر عام 1966 أول دواوينه “صياد وجنية”، عن دار “ابن عروس” التى أسسها ــ أيضا ــ صلاح جاهين لنشر دواوين وأشعار العامية المصرية، للرعيل الأول من شعراء العامية المصرية، ومنذ تلك الليلة بدأت تتشكل كل ملامح حركة شعر العامية، التى أسسها الرعيل الأول من سبيكة شعراء العامية العظام، بقيادة صلاح جاهين، والتى كان سيد حجاب واحدا من أبرز أبنائها، وأنبل فرسانها، وأخلصهم للقصيدة والأغنية معا، بعد أن وضع اللبنات الأولى لهذا الشعر الجديد والد الشعراء والرائد الأول لشهر العامية، الشاعر الكبير فؤاد حداد الذى كان يقضى فترات مفتوحة فى معتقل الواحات ضمن مجموعة كبيرة من كبار المثقفين من قيادات اليسار المصري.
كان سيد حجاب أحد أهم الأصوات العامية الأكثر ثقافة، وكان مطلعا على تجارب الشعراء العالميين، ولذا كان لشعره نكهة خاصة، وملامح تميزه عن غيره من شعراء العامية، وكانت غنائيته المترعة بالمشاعر الفياضة، وحسه المرهف، ونبله الخلوق جعلت لقصيدته بريقا خاصا، فقد كان حريصا على المترادفات بإيقاع وجرس موسيقى مميز، وتراتب حروفيات متشابهة، فتفرد بلعبة هذا الجناس الناقص والتام ببراعة غير مسبوقة.
لم يقترب سيد حجاب من السلطة، ولم يحاول التزلف إليها، وظل قابضا على مبادئه، منزعجا أشد الانزعاج إذا خان الشاعر قصيدته، أو خان البسطاء الذى دافع عنهم طوال رحلته الإبداعية، وفى النصف الثانى من عام 1962 ترك صلاح جاهين مجلة “صباح الخير” وذهب إلى جريدة الأهرام، وكان أهرام “هيكل” فى ذلك الزمن يمثل السلطة فى أوج عنفوانها، فغضب سيد حجاب جدا واعتبر أن أستاذه تنكر للبسطاء، وذهب ليكون قريبا من السلطة، فتوجه سيد حجاب لجريدة الأهرام وترك لصلاح جاهين رسالة قصيرة مقتضبة كتب فيها: “بنى ملوك مصر القدماء الأهرامات ليدفنوا فيها وتكون مقابر لهم، وأنت اخترت (الأهرام) وفضلتها على دار روز اليوسف، لتكون ملكا”.. وحزن جاهين حزنا شديدا عندما قرأ هذه الرسالة ــ ولم تكن التليفونات متاحة فى ذلك الزمن ــ فأرسل جاهين تلغرافا لسيد حجاب من جملة واحدة: “احضر حالا والدك فى خطر!!”، إلى هذا الحد كان سيد حجاب حريصا على الانتماء إلى مبادئه قابضا على انحيازه للفقراء، فاعتبر من وجهة نظره أن جاهين خان قضيته!!، وعاد حجاب لمنزله بعد منتصف الليل ليجد هذه البرقية، وفى أول أتوبيس فى الخامسة صباحا توجه سيد حجاب إلى منزل صلاح جاهين وكان يسكن فى أول شارع الهرم، فطرق الباب وفتح جاهين، ولم يمهله ليلقى عليه السلام، ولكن جاهين ضربه بالقلم على وجهه ثم أخذه فى حضن دافئ طويل وأخذ يشرح الأسباب التى دعته للذهاب إلى الأهرام، ولكن لشدة إخلاصهما كان كل منهما حريصا على أن يشرح موقفه ويخشى أن يخون قضية الشعر أو البسطاء، حكى لى هذه الحكاية سيد حجاب فى حلقة خاصة عندما كنت أقدم وأعد برنامج “صالون دريم” منذ سنوات، هكذا كانت علاقة شعراء العامية الكبار بعضهم ببعض، وهكذا كان من الممكن أن يتعامل شباب حركة شعر العامية آنذاك مع الشعراء الكبار رواد شعر العامية المصرية، رحم الله الجميع.






