د.عزة بدر
حب «ولافاش» ورمَّان
بالحب، والشعر، وحكايات الجدات، وتفاصيل الحياة اليومية يحتفى كتاب هايدى فاروق «التشورتشخيلا وحكايات أخرى» بالمائدة القوقازية، وفى القلب منها «جورجيا»، و«أرمينيا» فمزجت الكاتبة بين كلمات «بوشكين» الشاعر الروسى العظيم، وهو يصف الطعام الجورجى بتأثره بعمق الشغف بالحياة وطعمها، وما يتمتع به الجورجيون من ذائقة رائقة فيقول: «كل طبق جورجى هو قصيدة».
إن هذا الطعام الذى تصنعه الجدات ممزوج بالحب، تتوارثه النساء، والأجيال ممزوج بالعاطفة، ففيه عبق الفرح، وحفظ تراث من الانتماء، والتعلق بجمع شمل العائلة والأبناء، بل إن أعيادًا تُقام ومهرجانات تُعقد احتفالًا بالطعام الذى لا يقتصر دوره فى أرمينيا على الحياة اليومية بل يُشكل جزءًا مهمًا من الطقوس الثقافية والدينية.
فالموائد الأرمينية طقس حقيقى يُجسد الكرم، واحترام التقاليد، وحب العائلة والأصدقاء، ويرافق الطعام كل الأحداث المهمة كالأعراس والمناسبات الدينية، ويكشف الكتاب عن الثقافة العميقة وراء الموائد الأرمينية والجورجية، والمعنى الحقيقى لرموزها الرئيسية مثل خبز بورى، وخبز لافاش، ووجود حب الرمان فى تكوين الأطعمة المختلفة من العصائر إلى الحلوى إلى مصاحبة طواجن السلطات واللحوم.
فخبز «لافاش» يرتبط ارتباطًا عميقًا بالموروث الشعبى، فهو أيقونة التراث الشعبى، وأدرج فى قائمة التراث الثقافى غير المادى البشرى لدى اليونسكو فى نوفمبر 2014.
وتذكر هايدى فى كتابها: أن الضيف فى العادات الأرمينية يُستقبل بالخبز والملح، فالخبز رمز القداسة، والملح رمز الطهارة، وهناك العديد من الطقوس المرتبطة بالخبز، فالحماة تستقبل العروس وهى تحمل أرغفة اللافاش على كتفيها كعلامة البركة، أما العروس نفسها فكانت تضع رغيفًا فى إحدى الزوايا العُليا عندما تدخل بيتها كرمز للطهارة والبركة، بل إن الفرن نفسه يُعد مقدسًا، ففى بعض القرى كان العريس وعروسه يدوران حول الفرن سبع مرات، ويظل خبز لافاش رمزًا للحماية، فالرغيف الأول من الفرن يوضع على بطن المرأة أثناء الولادة لضمان سلامتها ودرء الأرواح الشريرة، وبعد الولادة كانت تطعم الوالدة البصل الأخضر الملفوف بخبز اللافاش، ويُلف جزء منه ثلاث مرات فوق رأسها، ويوضع بجانب الأم والرضيع.
مهرجانات الطعام مدهشة فى جورجيا وأرمينيا، فهناك مهرجان الهريسة فى أرمينيا، وهى الطبق الأشهر الذى يُقام له مهرجان سنوى فى قرية «موش»، فى منطقة «ساسون» فى شهر سبتمبر، ويهدف المهرجان إلى الحفاظ على الثراث الثقافى والتقاليد الأرمينية المرتبطة بهذا النوع من الطعام، وهناك مهرجان الجبن ويُعقد كل عام صيفًا، ويتيح تجربة جميع أنواع الجبن، وعرضها للجمهور، وتعريف الأجيال الجديدة بها، ومهرجان اجيكا، وهى الخلطة السحرية التى تجمع بين التوابل الحارة والنكهة القوية التى تقدم مذاقًا ورائحة شهية.
وتشتهر أرمينيا بالرمان فهى الثمرة المعلقة بطول الجدار فى المطار، وهى مرسومة على المنتجات اليدوية، والسجاد اليدوى، والشيلان، والصوف، والكشمير، والدلايات الفضية والذهبية، وتشتهر أرمينيا بنبيذ الرمان إلى جانب العنب الذى تزرع منه أرمينيا أكثر من أربعمائة «400» نوع.
أما الرمان فيرمز فى التقاليد الأرمينية إلى الحياة والازدهار والخصوبة والزواج، ويرتبط لونه بالازدهار، وعدد بذوره الكثيرة تمثل الخصوبة وتكاثر النسل، ومن الممارسات الشعبية المرتبطة بالرمان أن العروس كانت تضرب بالرمان باب المنزل لتعرف عدد الأطفال الذين سترزق بهم، وكلما تناثرت منه بذور أكثر زاد عدد الأولاد المنتظرين، والأعراس نفسها تميزت باستخدام موسيقات وآلات موسيقية أصيلة مميزة، فهناك المزمار الأرمينى التقليدى، ويُسمى الدودوك ويُصنع من خشب المشمس، وهو ضمن قائمة التراث الثقافى غير المادى للبشرية لدى اليونسكو منذ عام 2008، وتزف العروس بهذا المزمار، حيث يذهب العريس ووالده مُحملين بالهدايا، بينما تنتظر والدة العريس فى بيته لتستقبل العروسين بخبز لافاش لجلب البركة، فتضعه أم العريس على كتفىّ العروسين، ثم تقدم لهما كأسًا من العسل فتطعمهما منه بنفسها تيمنًا بأن تكون حياتهما عامرة بالبهجة ثم يدخلان إلى بيتهما، ومن أشهر أنواع الحلوى فى الأعراس: الهالفا، وهى تشبه الحلاوة الطحينية عندنا لكن بسكر أٍقل، والبوخنيس، وهو قمح يُفرم ويخلط بالعسل على شكل كرات صغيرة، وبسكويت بالحليب وصفار البيض.
ومن الملامح المهمة للمائدة القوقازية ما رصدته الكاتبة من ملامح متباينة ومتداخلة مع موائد شعوب أخرى، اختلطت وتأثرت المائدة القوقازية بها، لكنها احتفظت بسماتها وملامحها الأصيلة، وهو ما يؤكده د.محمد رفعت الإمام فى مقدمته للكتاب فيقول: «ليست المائدة القوقازية أحادية الطعم واللون والتكوين، بل إنها متباينة ومتداخلة، ترجع جذورها إلى تكوين الأمم القوقازية وفى القلب منها الأرمن والجورجيين، ليس هذا فحسب، فمنذ التاريخ القديم كان قدر الجبال القوقازية وقوعها تحت سيطرة الإمبراطوريات العظمى والقوى الإقليمية الكبرى، ومن ثم تأثرت المائدة القوقازية بالموائد الإيرانية، واليونانية والرومانية والروسية والعربية والعثمانية والأوروبية، ورغم هذا ازداد المذاق القوقازى من قبيل الأرمنى والجورجى صلابة وحلاوة وطلاوة ولم يذب فى مذاقات المستعمرين الدخلاء.
وينطلق الجورجيون فى كرمهم وحسن ضيافتهم من تراث يؤمن بأن الضيافة شكل من أشكال التقوى، وهناك قول مأثور عندهم يقول: «الإنفاق على الولائم والنبيذ خير من اكتناز المال، وما نعطيه يزيدنا ثراءً، وما نكدسه يفقدنا».
ومن الأساطير التى تعزز مكانة الحب قصة حب إله الحرب والقوة «فاها» واستغنيك إلهة الحب والجمال والمياه، وهما يمثلان التوازن والقوة، ويتم الاحتفال بهما فى عيد «فا ردا فار» وهو عيد رش الماء، ويُقام فى شهر يوليو من كل عام، حيث يرشون بعضهم بالماء فى الشوارع والميادين، ويرمز إلى الحياة بعد الطوفان ولا تزال المهرجانات والمسابقات فى أرمينيا تحمل صبغة ثقافية، وتحمل على عاتقها نقل ثقافة برمتها عبر الأجيال، من خلال وصفة سحرية هى تداول خبرات الطهو والوصفات، ومنها مهرجان «الجاتا» فى أرمينيا، والجاتا هى فطيرة هائلة الحجم، ولكل منطقة نسختها الخاصة منها، بنكهات مختلفة وحشوات متنوعة، ويُقام المهرجان فى 21 سبتمبر وهو فرصة للتذوق والرقص وسماع الموسيقى، أما الجبن فى جورجيا فيعد أشهر ما يوضع على المائدة الجورجية، وهناك مثل جورجى يقول: «خبز وجبن، وقلب طيب».
«وإذا كان الجبن موجودًا فى الثلاجة فمعه يكون البيت فى أمان»، وفى جورجيا أكثر من ستين نوعًا من الأجبان الفريدة وأشهرها الجبنة الخاتشابورى، وهى مكون أساسى فى كثير من الفطائر والأطباق التقليدية ومن أطرف ما ذكرته الكاتبة محاولتها صنع جبن الخاتشبورى من خلال ورشة طهو، وعندما حصلت على مكافأة، وهى عبارة عن قطع من عناقيد التشورتشخيلا، فتقول: «كان طعمها حلوًا بشكل غريب، حدقت فى الحلوى قليلًا، ثم قلت بصوت عال: ملبن حبل!».
أمور كثيرة دخلت ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافى من جورجيا، ومنها الغناء الجورجى متعدد الألحان الذى أدرج على القائمة عام 2008، حيث تزخر الموسيقى الجورجية بمجموعة واسعة من الآلات التقليدية، وتجتمع على موسيقاها الأسرات فى حفلات الزفاف والولائم.
«تشورتشخيلا وحكايات أخرى» يحتفى أيضًا بالرسوم التى سجل فيها الفنان أحمد جعيصة زوج هايدى فاروق، العديد من أهم المعالم السياحية التى تُعد رمزًا حديثًا لتبليسى عاصمة جورجيا، ومنها جسر المشاة الذى على شكل قوس البلور ويشبه الموجة، وبرج الأبجدية وهو من أبرز معالم «باتومى»، الكتاب رحلة ممتعة فى محبة الأمكنة، وقد صدر حديثًا عن مؤسسة غايا للإبداع.






