الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

بيع «الهواء».. ظاهرة تغتال الوعى وتروج الخرافة

لم يعد ظهور أشخاص على شاشات الفضائيات مرهون بالخبرة أو التأهيل الإعلامى كما كان فى السابق. ففى السنوات الأخيرة، بدأت ظاهرة تُعرف إعلاميًا باسم «بيع الهواء» تتسلل إلى عدد من القنوات الفضائية، لتفرض واقعًا جديدًا يثير الكثير من علامات الاستفهام حول مستقبل المهنة.



فبدلًا من أن يظل الإعلام وسيلة للتوعية والتثقيف وصناعة الوعى، تحول بعض الشاشات إلى مساحة مفتوحة يقدم من خلالها محتوى يفتقر إلى أبسط قواعد المهنية، على يد أشخاص لا يمتلكون التأهيل اللازم للعمل الإعلامى، وقرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام برئاسة المهندس خالد عبدالعزيز، بعد شكاوى بيع الهواء، مراجعة كل عقود الإنتاج المشترك التى تكون إحدى القنوات الخاصة طرفا فيها وإيقاف البرامج المخالفة فورًا.

عمل بلا تصريح

وفى محاولة لفهم أبعاد هذه الظاهرة، تحدث الدكتور طارق سعدة، نقيب الإعلاميين، موضحًا أن القانون وضع شروطًا واضحة للقيد فى النقابة والحصول على تصاريح مزاولة المهنة، مؤكدًا أن كل شرط يقابله مستند رسمى يجب تقديمه للنقابة، وبعد استيفاء جميع المتطلبات القانونية، يُعرض الملف على لجنة فنية مختصة بالقيد والتصاريح، وذلك وفقًا لما تنص عليه اللائحة الداخلية لنقابة الإعلاميين.

وأضاف سعدة أن النقابة تنشئ سجلًا خاصًا بالتصاريح، وتحدد اللائحة الداخلية والشروط المنظمة له، كما يُعرض كل متقدم للحصول على عضوية النقابة على لجنة قانونية وأخرى فنية لدراسة حالته والتأكد من استيفائه الشروط اللازمة، وأوضح أن الحصول على تصريح مزاولة المهنة يتطلب تقديم عقد العمل المبرم بين الوسيلة الإعلامية وطالب التصريح، إلى جانب موافقة الجهات الأمنية بالنسبة للأجانب الراغبين فى ممارسة المهنة داخل مصر، فضلًا عن تقديم صورة بطاقة الرقم القومى أو جواز السفر، والمؤهل الدراسى، وشهادة أداء الخدمة العسكرية، وصحيفة الحالة الجنائية.

وفيما يتعلق بالعقوبات، أكد نقيب الإعلاميين أن النقابة سبق أن اتخذت إجراءات ضد العديد من المخالفين، إلا أن توقيع العقوبات يظل الخيار الأخير بعد استنفاد الوسائل الأخرى. وأوضح أن العقوبات تُطبق بشكل تدريجى، فتبدأ بالإنذار ولفت النظر، ثم المنع من الظهور الإعلامى، وصولًا إلى إلغاء التصريح والشطب من النقابة، ثم اتخاذ الإجراءات القانونية التى قد تصل إلى الغرامة أو الحبس، وذلك وفقًا للمادتين 88 و89 من قانون نقابة الإعلاميين رقم 93 لسنة 2016.

وحول الأسباب التى تستوجب توقيع العقوبات، أوضح سعدة أن أولها ممارسة النشاط الإعلامى دون وجود وضع قانونى سليم، سواء من خلال القيد بالنقابة أو الحصول على تصريح مزاولة المهنة، وهو ما يعرض صاحبه للمساءلة القانونية. 

أما السبب الثانى فيتمثل فى ارتكاب مخالفات مهنية من خلال مخالفة ميثاق الشرف الإعلامى أو مدونة السلوك المهنى.

 وأضاف أن السبب الثالث يتعلق بالمذيع الذى يسمح لضيف يظهر على الهواء، سواء داخل الاستوديو أو عبر الهاتف، بتقديم معلومات مغلوطة أو نشر الأكاذيب دون أن يتدخل لتصحيحها أو الرد عليها، وهو ما يعد مخالفة مهنية تستوجب المساءلة.

وفيما يخص قضية «بيع الهواء»، أوضح نقيب الإعلاميين أن مبدأ تأجير الهواء فى حد ذاته أمر معترف به ومنظم قانونًا، إلا أن القانون وضع له ضوابط واضحة، وحذر من بيعه للأفراد، بينما أجازه لشركات الإنتاج والجهات المنتجة، بحيث تحصل تلك الجهات على جزء من الوقت المخصص للبث لتقديم إنتاجها الفنى أو الإعلامى.

وأضاف سعدة أن القانون نص بشكل واضح على أن بيع الهواء لا يجوز إلا بعد الحصول على موافقة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، إلا أن الواقع يشهد وجود عدد من المخالفات القانونية، إذ تقوم بعض الوسائل الإعلامية بتأجير ساعات البث لأشخاص دون النظر إلى مستواهم المهنى أو حصولهم على التدريب الكافى أو قدرتهم على تحمل مسئولية مخاطبة الرأى العام. كما يتم ذلك، فى كثير من الأحيان، بالمخالفة للقانون، من خلال منح ساعات البث لأشخاص غير مقيدين بنقابة الإعلاميين، ولا يحملون تصاريح مزاولة المهنة، الأمر الذى يؤدى إلى ظهور أخطاء مهنية جسيمة على الهواء مباشرة.

وطالب نقيب الإعلاميين جميع الوسائل الإعلامية بالتوقف عن بيع الهواء للأفراد، والالتزام بما نص عليه القانون، بحيث تقتصر التعاقدات على شركات الإنتاج، من خلال عقود صحيحة وموثقة، مع ضرورة الحصول على موافقة كتابية من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، باعتباره الجهة المختصة بمنح التصاريح الخاصة بعقود بيع الهواء بين شركات الإنتاج والوسائل الإعلامية.

وانتقل نقيب الإعلاميين إلى ملف آخر لا يقل خطورة، وهو انتشار الإعلانات الخاصة بالأدوية والمنتجات الطبية مجهولة المصدر داخل بعض البرامج، مؤكدًا أن مسئولية مراقبة هذا النوع من المحتوى تقع فى الأساس على عاتق المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، باعتباره الجهة المختصة بمتابعة المحتوى المعروض على الشاشات، وتحديد نسب الإعلانات ومدتها داخل البرامج.

لكن، بحسب سعدة، فإن ما يحدث على أرض الواقع يختلف كثيرًا عما تنص عليه القواعد المنظمة. فهناك برامج تحولت بالكامل تقريبًا إلى منصات دعائية لمنتجات مختلفة، بعضها يحمل بالفعل تصاريح من وزارة الصحة، بينما توجد منتجات أخرى لا يُعرف ما إذا كانت حاصلة على أى موافقات رسمية من الأساس.

وأشار إلى أن هذه الفوضى تكشف الحاجة إلى قدر أكبر من التنسيق بين جميع الجهات المعنية، موضحًا أن ضبط هذا الملف لا يمكن أن تقوم به جهة واحدة، وإنما يتطلب تعاونًا حقيقيًا بين نقابة الإعلاميين، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ونقابتى الصيادلة والأطباء، والوسائل الإعلامية العاملة فى هذا المجال، بالإضافة إلى هيئة الدواء المصرية، حتى يتم التأكد من سلامة ما يُعرض على المواطنين وعدم استغلال ثقتهم فى وسائل الإعلام.

محاسبة ومساءلة

ومن جانبه، أكد الكاتب الصحفى عبدالمحسن سلامة، عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أن المجلس يتعامل بحزم مع أى قناة تتجاوز المعايير المهنية أو تخالف الضوابط المنظمة للعمل الإعلامى، مشيرًا إلى أن هناك إجراءات صارمة تُتخذ بحق المخالفين عندما تثبت مسئوليتهم عن تلك التجاوزات.

وفى الوقت نفسه، أوضح سلامة أن فكرة فرض رقابة مسبقة على القنوات الفضائية ليست مطروحة من وجهة نظره، موضحًا أن القناة، طالما حصلت على الترخيص واستوفت جميع الشروط القانونية اللازمة لبدء نشاطها، فلا يمكن فرض وصاية مسبقة على ما ستتناوله من موضوعات أو إلزامها بمحتوى بعينه.

وأشار إلى أنه يرفض مبدأ الرقابة السابقة على البث، لكنه يؤيد بقوة الرقابة اللاحقة، وهى الآلية التى يتبعها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فى التعامل مع المخالفات، بحيث يتم التدخل بعد وقوع التجاوز، فإذا ثبت أن قناة ما أخلت بالمعايير المهنية أو ارتكبت مخالفات إعلامية، فإن المجلس يوقع عليها العقوبات المناسبة وفقًا لطبيعة المخالفة وحجمها.

وأضاف عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أن هناك مجموعة من الاشتراطات الإجرائية والاقتصادية والتنظيمية التى يجب أن تلتزم بها أى قناة، وفى مقدمتها أن تكون حاصلة على ترخيص رسمى، وأن يكون مقدم البرنامج حاصلًا على تصريح مزاولة المهنة من نقابة الإعلاميين.

وأوضح أن شراء الهواء فى جوهره هو عقد يتم بين الشخص والقناة الفضائية، وبالتالى فإن القناة تظل مسئولة بصورة كاملة عن كل ما يُقدم من خلالها، بغض النظر عن طبيعة التعاقد، وهو ما يعنى أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يُحمّل إدارة القناة المسئولية الكاملة عن أى مخالفة تقع داخل البرنامج، حتى وإن كان البرنامج يُبث من خلال نظام شراء أو تأجير الهواء.

وأكد سلامة أن أى تجاوزات تحدث فى البرامج المؤجرة لا تعفى القناة من المسئولية، بل تتحمل إدارة القناة نتائج تلك الأخطاء، باعتبارها الجهة المالكة للوسيلة الإعلامية والمسئولة عن المحتوى الذى يُبث عبر شاشتها.

وأشار إلى أن المجلس يمتلك صلاحيات واسعة فى مواجهة المخالفات، تبدأ بتوقيع الجزاءات المناسبة، وقد تصل إلى تغريم القناة أو إيقافها مؤقتًا، بل وإلغاء الترخيص نهائيًا إذا استدعت طبيعة المخالفة ذلك، مؤكدًا أن نوع العقوبة يتحدد وفق حجم الخطأ وآثاره وما يترتب عليه من نتائج.

حوكمة الإعلام التليفزيونى

وفى المقابل، قدم الدكتور ياسر عبدالعزيز، الخبير الإعلامى، رؤية مختلفة للجدل الدائر حول ظاهرة بيع الهواء، معتبرًا أن القضية يجب النظر إليها من زاوية أوسع تتعلق بمنظومة تنظيم الإعلام بالكامل، وليس من خلال التركيز على فكرة تأجير ساعات البث وحدها.

وأوضح عبدالعزيز أن الدولة تمتلك بالفعل منظومة لحوكمة الإعلام التليفزيونى، وأن هذه المنظومة تقوم على عدد من المؤسسات والجهات التنظيمية، فى مقدمتها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الإعلاميين، وهما الجهتان المسئولتان عن تنظيم الإعلام المرئى ومتابعة الالتزام بالمعايير المهنية.

وأشار إلى أن قراءة متأنية للنصوص الدستورية، والقوانين المنظمة للإعلام، واللوائح التنفيذية، ومواثيق الشرف الإعلامى، ومدونات السلوك المهنى، تكشف أن هذه التشريعات لا تتضمن نصًا يحظر بيع أو تأجير الهواء بشكل صريح، وإنما تركز على تنظيم الأداء الإعلامى، ومتابعة مستوى مقدمى البرامج، وإخضاعهم للتقييم، مع منح الجهات المختصة صلاحية توقيع العقوبات على المخالفين، سواء بإيقاف مذيع أو برنامج، أو توقيع غرامات على القنوات التى ترتكب تجاوزات.

ورغم ذلك، أعلن الخبير الإعلامى موقفه الشخصى من الظاهرة، مؤكدًا أنه لا يؤيد تأجير الهواء، لكنه شدد فى الوقت نفسه على أن المشكلة الحقيقية ليست فى التعاقد نفسه، وإنما فى طبيعة المحتوى الذى يُقدم للمشاهدين.

وقال: إن هناك برامج مؤجرة قد تلتزم بالمعايير المهنية، وفى المقابل توجد برامج أخرى من إنتاج القنوات نفسها، ويقدمها مذيعون تابعون لها، لكنها تعانى من الفوضى والتجاوزات المهنية أيضًا، وهو ما يؤكد أن مصدر المشكلة ليس نظام تأجير الهواء وحده.

ممارسة غير مقبولة

أما الدكتورة ليلى عبدالمجيد، عميدة كلية الإعلام الأسبق بجامعة القاهرة، فقد اتخذت موقفًا أكثر حسمًا تجاه الظاهرة، معتبرة أن تأجير الهواء ممارسة غير مقبولة، وتمثل إساءة مباشرة للمهنة الإعلامية، مهما كانت المبررات التى تستند إليها القنوات.

وأوضحت أن لجوء بعض القنوات إلى تأجير ساعات البث يعود فى الأساس إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التى تواجهها، وإلى تراجع الموارد المالية الناتجة عن الإعلانات، الأمر الذى يدفعها إلى البحث عن مصادر دخل إضافية تساعدها على الاستمرار فى تمويل العملية الإعلامية, لكنها شددت على أن الأزمة الاقتصادية لا يمكن أن تكون مبررًا للتخلى عن المعايير المهنية، مؤكدة أن الحفاظ على قيمة الإعلام ومصداقيته يجب أن يظل أولوية، حتى فى ظل التحديات المالية.

وأضافت أن الشخص الذى يستأجر وقتًا على شاشة إحدى القنوات لا يأتى بمفرده، وإنما يجلب معه أيضًا المعلنين والرعاة الذين يمولون برنامجه، وهو ما يجعل القناة فى كثير من الأحيان تفقد قدرتها على فرض سياستها التحريرية على المحتوى الذى يُقدم، حتى إذا تعارض مع توجهاتها أو معاييرها المهنية.

وأشارت إلى أن الخطر لا يقتصر على فقدان السيطرة على المحتوى، بل يمتد أيضًا إلى أن بعض مقدمى هذه البرامج قد لا يكونون إعلاميين من الأساس، ولا يمتلكون الحد الأدنى من التأهيل المطلوب للعمل الإعلامى.

وأكدت أن العمل كمذيع أو مقدم برامج ليس مجرد الظهور أمام الكاميرا، بل هو مهنة لها مواصفات ومتطلبات واضحة، ويجب أن يكون من يمارسها على دراية كاملة بالقواعد المهنية والأخلاقية التى تحكم العمل الإعلامى، وهو ما يفتقده عدد من هؤلاء، بحسب تعبيرها.