الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

القاضى «المزيف» فى قبضة العدالة

لم يتخيل المواطنون الذين شاهدوا مقاطع «القاضى المزيف» على مواقع التواصل الاجتماعى، أن المشاهد التى بدت للوهلة الأولى وكأنها من داخل أروقة العدالة، ستصبح بعد أيام واحدة من أهم خيوط القضية التى كشفت تفاصيلها الأجهزة الأمنية والنيابة العامة، فالرجل الذى ظهر مرتديًا وشاحًا قضائيًا، وقدم نفسه باعتباره صاحب صفة رسمية، كان بحسب التحقيقات يصنع لنفسه صورة وهمية استخدمها لإقناع المواطنين بقدرته على إنهاء مصالحهم والحصول لهم على وحدات سكنية مقابل مبالغ مالية.



القصة بدأت بمقطع فيديو متداول، تضمن استغاثة أحد المواطنين من تعرضه للنصب والاستيلاء على أمواله، بعدما ادعى أحد الأشخاص كذبًا أنه قاضٍ بإحدى الجهات القضائية، ومن هنا بدأ الخيط الأول، لتتحرك الأجهزة المختصة وتبدأ رحلة البحث عن حقيقة الشخصية التى ظهرت فى المقاطع، وكيف وصلت إلى داخل المحكمة، ومن وقف خلف تلك المشاهد.

رصد المركز الإعلامى للنيابة العامة مقطعًا مرئيًا متداولًا عبر مواقع التواصل الاجتماعى، تضمن شكوى مواطن من تعرضه للنصب على يد شخص انتحل صفة قاضٍ، حيث باشرت النيابة التحقيقات، وأسفرت عن تحديد وضبط المتهم الأول، وعُثر بحوزته على سلاح نارى وذخيرة، ووشاح قضائى، وبطاقات تعريفية تحمل صفته المزعومة، إلى جانب هاتفين محمولين.

وباستجوابه، أقر المتهم بانتحال صفة قاضٍ وارتكاب عدة وقائع نصب على المواطنين، والاستيلاء على أموالهم بزعم قدرته على إنهاء إجراءات تخصيص وحدات سكنية لهم.

لم يتوقف المتهم عند ادعاء الصفة القضائية، بل لجأ إلى تصوير نفسه داخل إحدى المحاكم مرتديًا الوشاح القضائى، ونشر الصور والمقاطع عبر مواقع التواصل الاجتماعى، وبحسب التحقيقات، كان الهدف من تلك المشاهد إضفاء المصداقية على الشخصية التى صنعها، وإقناع المواطنين بأنه يمتلك بالفعل صفة رسمية ونفوذًا يمكنه من إنهاء مصالحهم.

وبفحص الهاتفين المضبوطين، ثبت احتواؤهما على الصور والمقاطع محل التحقيق، كما ظهر فى بعضها عدد من العاملين بالمحكمة.

لم تتوقف التحريات عند المتهم الرئيسى، إذ امتدت إلى الأشخاص الذين ظهروا برفقته فى مقاطع الفيديو، حيث أرشد المتهم عن متهم ثانٍ شاركه فى الوقائع، وتمكنت الأجهزة الأمنية من ضبطه واستجوابه، حيث أقر بمشاركته فى تصوير ونشر المقاطع والصور التى ظهر خلالها المتهم منتحلًا الصفة القضائية.

كما كشفت وزارة الداخلية أن التحريات الأمنية أسفرت عن ضبط شخصين، تبين أنهما عاطل وطالب، لأحدهما معلومات جنائية، ويقيمان بمحافظتى القاهرة والجيزة، وأنهما كوّنا تشكيلًا عصابيًا تخصص فى النصب والاحتيال على المواطنين.

اعتمد المتهمون –وفقًا لما أعلنته وزارة الداخلية– على إيهام المواطنين بقدرتهم على تخصيص وحدات سكنية من جهات حكومية، مقابل الحصول على مبالغ مالية. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تضمنت الوقائع محل الفحص قيام أحد المتهمين بطلب مبالغ مالية من متابعيه بزعم جمعها لمساعدة حالة مرضية، وهو ما أضاف بعدًا آخر إلى أسلوب استغلال ثقة المتابعين.

وخلال استكمال التحريات، ظهر خيط جديد فى القضية، بعدما أقر أحد المتهمين بقيامه بطباعة الكروت الشخصية المزورة المستخدمة فى نشاطهما داخل إحدى المطابع بمنطقة الموسكى، وعلى الفور، تم ضبط القائم على المطبعة، وعُثر بحوزته على جهاز كمبيوتر وماكينة طباعة، وبفحصهما تبين وجود دلائل تؤكد نشاطه محل التحقيق.

لتتسع بذلك دائرة القضية، من شخص ينتحل صفة قضائية إلى أشخاص شاركوا فى صناعة الأدوات التى ساعدته على ترسيخ صورته الوهمية أمام المواطنين.

وبالتزامن مع فحص المقاطع، جرى ضبط عدد من العاملين بالمحكمة الذين ظهروا فى بعض الفيديوهات، حيث أقر العاملون بصحة ظهورهم فى المقاطع، إلا أنهم أنكروا ما نسب إليهم من اتهامات، وقرروا أن المتهم الأول أخبرهم بأنه يعمل بإحدى الهيئات القضائية.

وتواصلت التحقيقات لفحص ملابسات ظهورهم، وتحديد حقيقة علمهم بالصفة التى ادعاها المتهم من عدمه.

وبعد استكمال جانب من التحقيقات، أمرت النيابة العامة بحبس المتهمين وتقديمهم إلى المحاكمة الجنائية العاجلة، مع استمرار الإجراءات القانونية لكشف جميع ملابسات القضية وأدوار المشاركين فيها.

وفى تطور لاحق، قررت المحكمة تأجيل نظر محاكمة المتهمين إلى جلسة 1 سبتمبر المقبل، لاستكمال نظر القضية والإجراءات المتعلقة بالاتهامات المنسوبة إليهم.