من أوكرانيا إلى البحر الأحمر
كيف تعيد حروب المسيرات تشكيل عقيدة الجيوش الكبرى؟
فريدة محمد
أعادت المسيرات رسم خرائط الصراعات، وأدخلت العالم مرحلة جديدة من الاستنزاف الاقتصادى، بعدما تحولت من منصات للاستطلاع والمراقبة إلى أسلحة قادرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى تستهدف البنية التحتية والمنشآت الحيوية والاقتصادية.
فمن الحرب الروسية الأوكرانية إلى الهجمات التى طالت الملاحة فى البحر الأحمر، فرضت المسيرات نفسها كأبرز أسلحة الصراعات الحديثة، بفضل قدرتها على إحداث خسائر أمنية واقتصادية تفوق كلفة تشغيلها.
وكشفت الأزمات الجيوسياسية فى المنطقة، أن المسيرة لم تعد مجرد وسيلة لتحقيق هدف عسكرى مباشر، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية أوسع تطال استقرار الأسواق العالمية، وسلاسل الإمداد، وقطاع الطاقة، وترفع كلفة الدفاع والتأمين وحماية المنشآت الحيوية.
وهكذا، يعيش العالم مرحلة تتداخل فيها الحرب العسكرية مع الحرب الاقتصادية، فقد تبدأ الضربة فى السماء، لكن تداعياتها تمتد إلى الموازنة العامة، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسعار السلع، وصولًا إلى ثقة المستثمرين واستقرار الاقتصاد.
سباق عالمى نحو امتلاك جيوش المسيرات
لم تعد المسيرات سلاحًا تكتيكيًا محدودًا، بل محورًا فى سباق تسليح جديد بين القوى الكبرى، ففى الولايات المتحدة، أطلق البنتاجون أغسطس 2023، مبادرة Replicator لتسريع تطوير آلاف الأنظمة العسكرية المستقلة منخفضة التكلفة، بهدف تحويل القوة الأمريكية نحو امتلاك أعداد كبيرة من الأنظمة الذكية لمواجهة الصين.
2026 الصين تدخل عصر أسراب المسيرات
وفى 26 مارس2026، أعلنت وزارة الدفاع الصينية، عن نظام Atlas لإدارة أسراب المسيرات، حيث تستطيع مركبة واحدة إطلاق 48 مسيرة، وتتحكم مركبة القيادة فيما يصل إلى 96 مسيرة لمهام الاستطلاع والتشويش والهجوم، وتزامن ذلك مع إعلانها فى 24 يناير 2026 عن تطوير مفهوم أسراب المسيرات ذاتية التنسيق بربط الذكاء الاصطناعى بالعمل الجماعى.
الحرب الروسية الأوكرانية.. تغيير قواعد المعركة
كشفت الحرب الروسية ـ الأوكرانية، عن التحول الأكبر فى استخدام المسيرات، ووفق تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدوليةCSIS، أطلقت روسيا نحو 55 ألف مسيرة هجومية خلال عام2025، مقارنة بأقل من ألفى صاروخ، وسجل أكبر هجوم ليلى روسى فى 2024 نحو 193 مسيرة، فضلًا عن إنتاج أعداد ضخمة يتيح شن هجمات متزامنة تجعل الدفاع ضدها تحديًا ماليًا وعملياتيًا.
وتشير دراسة مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكى CSIS المنشورة بتاريخ يوليو2026، إلى أن نمط الضربات الروسية على أوكرانيا يتركز بصورة متزايدة فى المناطق التى تضم بنية صناعية وطاقة وموانئ ومراكز حضرية ولوجستية، بما يعكس محاولة رفع تكاليف المعركة بما ينعكس على قدرات الدولة .
وفى 17 مايو2026، نشر الجيش الأمريكى تقريرًا أكد فيه أن انتشار مسيرات FPV يتغلب على الدفاعات التقليدية بكثافة الأعداد، كما أجرى فى 5 مايو 2026 اختبارات فى ولاية نورث كارولينا لقياس فعالية الذخائر ضد مسيرات تتجاوز سرعتها 40 ميلًا /ساعة لبحث حلول أكثر كفاءة اقتصاديًا.
هذا وتحولت الجبهة بين روسيا وأوكرانيا، لساحة اختبار للمسيرات الهجومية والاستطلاعية والحرب الإلكترونية، حيث طورت موسكو بنية عسكرية متخصصة، بينما اعتمدت كييف على أعداد ضخمة من أنظمة FPV منخفضة التكلفة، لتدور المعركة فى سباق مستمر بين المسيرة ووسائل اكتشافها وتعطيلها.
قوى صاعدة والمشهد يتغير
ولا يقتصر السباق على واشنطن وبكين وموسكو، فتركيا أيضًا تعمل على الانتقال من المسيرات التقليدية إلى الطائرات القتالية غير المأهولة التى تدار عن بعد، أما اليابان فتراهن على الأنظمة غير المأهولة جوًا وبحرًا وبرًا إلى جانب وسائل مواجهة الأسراب، وفى كوريا الجنوبية، تنظر وزارة الدفاع إلى المسيرات باعتبارها إحدى أدوات الحرب غير المتماثلة، وتعمل على تطوير الأسراب والأنظمة المضادة للمسيرات، والمسيرات المقاومة للتشويش .
المعركة الجديدة.. من ينتج المسيرات؟
وتتجه المعركة الجديدة، نحو من ينتج المسيرات ويعترضها بأقل تكلفة، وقد لا يكون التفوق فى الحروب المقبلة لمن يمتلك أقوى مسيرة، وإنما لمن يستطيع إنتاج الآلاف منها، حيث يشير تحليل نشرهModern War Institute، وهو معهد الحرب الحديثة التابع للأكاديمية العسكرية الأمريكية، إلى أن دروس أوكرانيا تكمن فى القدرة على إنتاج أنظمة منخفضة التكلفة ودمجها مع الاستخبارات والتكيف مع الحرب الإلكترونية، وهو ما يركز عليه التدريب الأمريكى خلال 2026.
الاستنزاف الاقتصادى وسلاسل الإمداد
وتعد الحرب الروسيةـ الأوكرانية، النموذج الأكثر وضوحًا للاستنزاف الاقتصادى؛ حيث استهدفت أوكرانيا منشآت الطاقة الروسية بما فى ذلك منشآت إنتاج وتخزين وضخ ونقل النفط،، بينما يحصى تحليل لمعهد بيكر للسياسات العامة، التابع لجامعة رايس بالولايات المتحدة، استهداف سلسلة القيمة النفطية لرفع تكلفة الحرب، مما أسهم فى اضطرابات بسوق الوقود داخل روسيا.
المسيرات تستهدف سلاسل الإمداد العالمية
ولا يقتصر الاستنزاف على الداخل الروسى؛ فاستهداف الموانئ والسفن التجارية يمتد أثره لسلاسل الإمداد، وهذا ما جعل البحر الأحمر نموذجًا مهمًا، فالهجمات على السفن التجارية دفعت شركات شحن إلى تغيير مساراتها، الأمر الذى أدى إلى زيادة زمن الرحلات والتكاليف التشغيلية والتأمين.
وتشير الأونكتادUNCTAD، إلى أن النقل البحرى يحمل %80 من التجارة العالمية، وأن اضطرابات البحر الأحمر أثرت بصورة كبيرة على حركة السفن فى قناة السويس، وفى فبراير2024، أشارت الأونكتاد إلى أن 586 سفينة حاويات أعادت توجيه مساراتها، وانخفضت حمولة الحاويات العابرة للقناة بنسبة %82.
البحر الأحمر والأزمة الاقتصادية
تجسد تجربة البحر الأحمر، مفهوم الاستهداف الاقتصادى المباشر، إذ أوضحت الأونكتاد أن تحويل السفن لرأس الرجاء الصالح أدى لزيادة زمن التسليم بأكثر من 10 أيام، وبذلك يتحول سلاح منخفض الكلفة إلى أداة استنزاف تدفع الدول الكبرى لتشغيل منظومات عسكرية باهظة، وتجبر شركات الشحن على مضاعفة التكلفة الاقتصادية دون حاجة للسيطرة الفعلية على الممرات المائية.






