موانئ الجمهورية الجديدة.. شرايين التنمية
نيفين صبرى
لم تعد الموانئ المصرية مجرد ساحات لاستقبال السفن وتداول البضائع، بل أصبحت أحد أهم محاور التنمية الاقتصادية فى الجمهورية الجديدة، بعد أن وضعتها الدولة على رأس أولوياتها باعتبارها بوابة مصر الرئيسية على العالم، ومحركًا أساسيًا لجذب الاستثمارات وتعزيز حركة التجارة الخارجية، وتنفيذ رؤية تستهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمى للنقل واللوجستيات وتجارة الترانزيت.
تضم مصر 18 ميناءً تجاريًا على البحرين المتوسط والأحمر، وتشهد هذه الموانئ طفرة غير مسبوقة ضمن استراتيجية الدولة لتطوير منظومة النقل البحري. وبلغت الاستثمارات الموجهة لتطوير الموانئ أكثر من 200 مليار جنيه، شملت إنشاء أرصفة ومحطات جديدة، وتعميق الممرات الملاحية، وتحديث البنية التحتية والخدمات اللوجستية.
وأسهمت هذه المشروعات فى زيادة الإقبال على الموانئ المصرية، حيث استقبلت خلال عام 2025 نحو 17.3 ألف سفينة، وحققت تداولًا بلغ 11.1 مليون حاوية مكافئة، منها 6.7 مليون حاوية ترانزيت، بما يعكس تنامى مكانة مصر كمركز إقليمى للتجارة والنقل البحري، ويعزز قدرتها على جذب الاستثمارات وخطوط الملاحة العالمية، وخلال السنوات الأخيرة شهد قطاع النقل البحرى طفرة غير مسبوقة، ترجمتها مشروعات عملاقة لتطوير الأرصفة والأحواض والممرات الملاحية، وإنشاء محطات جديدة متعددة الأغراض ومحطات للحاويات والصب الجاف والسائل، فضلاً عن تحديث الأسطول البحري، وإدخال منظومات التحول الرقمى والحوكمة، بما أسهم فى رفع كفاءة التشغيل وتقليل زمن انتظار السفن وزيادة القدرة التنافسية للموانئ المصرية على المستويين الإقليمى والدولي. وتشير البيانات الرسمية إلى أن الدولة تستهدف رفع الطاقة الاستيعابية للموانئ البحرية إلى نحو 292 مليون طن سنويًا مع زيادة أطوال الأرصفة إلى نحو 70 كيلومترًا ضمن خطة التطوير الشاملة.
وتؤكد المؤشرات أن هذه المشروعات لم تكن مجرد أعمال إنشائية، وإنما تمثل نقلة استراتيجية فى منظومة النقل البحري، فى ظل ما يشهده العالم من تغيرات متسارعة فى حركة التجارة وسلاسل الإمداد، وهو ما عزز من أهمية الموقع الجغرافى الفريد لمصر المطل على البحرين الأحمر والمتوسط، والمتحكم فى أحد أهم الممرات الملاحية العالمية.
اعتمدت الدولة على تنفيذ خطة شاملة لتطوير الموانئ البحرية تقوم على عدة محاور، فى مقدمتها إنشاء محطات جديدة متخصصة، وتعميق الممرات الملاحية لاستقبال السفن العملاقة، وتطوير منظومة الخدمات البحرية، وربط الموانئ بشبكة الطرق والمحاور والسكك الحديدية والموانئ الجافة والمناطق اللوجيستية، بما يحقق التكامل بين وسائل النقل المختلفة ويخفض تكلفة تداول البضائع.
وتؤكد وزارة النقل أن استراتيجية التطوير تستهدف تحويل الموانئ المصرية من مجرد موانئ لتداول البضائع إلى مراكز لوجيستية متكاملة تقدم خدمات ذات قيمة مضافة، وهو ما يسهم فى زيادة الصادرات الوطنية، وجذب الخطوط الملاحية العالمية، وتعظيم إيرادات الدولة من قطاع النقل البحري.
ويأتى ميناء دمياط فى مقدمة الموانئ المصرية التى تشهد طفرة تنموية غير مسبوقة، باعتباره أحد أهم موانئ البحر المتوسط وأكثرها تطورًا، لما يتمتع به من موقع استراتيجى متميز عند مدخل البحر المتوسط، وقدرته على خدمة الأسواق الأوروبية والآسيوية والإفريقية.
ومن أبرز المشروعات الجارى تنفيذها داخل الميناء محطة الحاويات «تحيا مصر 1»، التى تعد واحدة من أكبر محطات الحاويات فى المنطقة.
وتبلغ أطوال أرصفة المحطة نحو 2 كيلومتر، فيما تصل طاقتها الاستيعابية إلى 3.5 مليون حاوية مكافئة سنويًا، بما يجعلها إضافة نوعية لقدرات الميناء، ويسهم فى جذب أكبر الخطوط الملاحية العالمية، وزيادة حركة تجارة الترانزيت، ورفع تصنيف الميناء عالميًا.
كما تم تزويد المحطة بأحدث الأوناش العملاقة وأنظمة التشغيل الذكية، بما يحقق أعلى معدلات الكفاءة والإنتاجية ويقلل زمن تداول الحاويات.
وفى إطار التوسع المستقبلي، يجرى تنفيذ مشروعات استراتيجية داخل ميناء دمياط تشمل محطة متخصصة لتداول الحبوب بطاقة تشغيلية تصل إلى 3.5 مليون طن سنويًا، وطاقة تخزينية تقدر بنحو 6 ملايين طن، بالإضافة إلى محطة متعددة الأغراض تهدف إلى رفع قدرات تداول البضائع بالميناء.
وتعكس هذه المشروعات توجهًا نحو ربط الموانئ المصرية بشبكات التجارة العالمية، من خلال توفير بنية تحتية متطورة وخدمات لوجيستية متكاملة تشمل التخزين، وإعادة التداول، وربط الموانئ بشبكات النقل البرى والسككي.
«التكنولوجيا والاستدامة فى إدارة الموانئ»
لم يقتصر التطوير على الإنشاءات فقط، بل امتد إلى إدخال نظم الإدارة الذكية والتحول الرقمي، بهدف تسريع إجراءات الإفراج والتداول وتقليل زمن انتظار السفن، إلى جانب تطبيق معايير أكثر اهتمامًا بالبيئة والاستدامة.
ويؤكد الأداء التشغيلى المتزايد لميناء دمياط نجاح خطط التطوير، حيث سجل الميناء معدلات تداول مرتفعة خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار التوسع فى قدراته التشغيلية. فقد أعلن عن تحقيق أعلى معدل لتداول البضائع فى تاريخه خلال العام المالى 2025/2026، بإجمالى تداول بلغ نحو 46.4 مليون طن.
ومع استكمال المشروعات الجارية، يسعى ميناء دمياط إلى ترسيخ مكانته كأحد المحاور الرئيسية للتجارة البحرية فى منطقة البحر المتوسط، ليكون جزءًا من رؤية أوسع لتحويل مصر إلى مركز لوجيستى عالمى يربط بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا.






