مصر تعزز مكانتها مركزًا إقليميًا للطاقة
سلوى عثمان
لم يعد ملف أمن الطاقة فى مصر يقتصر على توفير احتياجات السوق المحلية من الغاز الطبيعى والمنتجات البترولية، بل تحول إلى أحد أهم مرتكزات الأمن القومى، فى ظل ما يشهده العالم من متغيرات جيوسياسية متسارعة، واضطرابات فى أسواق الطاقة العالمية، وتقلبات حادة فى أسعار الوقود، إلى جانب التحديات التى تواجه سلاسل الإمداد الدولية وارتفاع تكاليف النقل والشحن.
وفى مواجهة هذه التحديات، نجحت الدولة المصرية فى بناء منظومة متكاملة لإدارة قطاع الغاز الطبيعى والمنتجات البترولية، اعتمدت على التخطيط الاستباقى، وتنويع مصادر الإمداد، والتوسع فى البنية التحتية، وتعزيز قدرات التغييز والتخزين، إلى جانب تعظيم الاستفادة من محطات إسالة الغاز الطبيعى، بما ضمن استمرار تشغيل محطات الكهرباء، وتأمين احتياجات السوق المحلية، ودعم توجه الدولة نحو ترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمى لتجارة وتداول وتصدير الغاز الطبيعى المسال.
من جانبه، أكد الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول والطاقة والخبير البترولى، أن ما حققته الدولة المصرية فى ملف تأمين احتياجات الغاز الطبيعى والوقود يُعد نموذجًا ناجحًا للإدارة الاستراتيجية لأمن الطاقة، مشيرًا إلى أن الحكومة تعاملت مع هذا الملف بمنهج استباقى قائم على التخطيط العلمى، وتنويع مصادر الإمداد، وتعزيز البنية التحتية لقطاع البترول والغاز، بما ضمن استقرار الإمدادات واستمرار تشغيل محطات الكهرباء دون تأثر بالمتغيرات الإقليمية والدولية.
وأوضح «أبو العلا»، أن سفن التغييز أصبحت أحد أهم عناصر أمن الطاقة فى العالم، لأنها توفر للدول قدرة فورية على استقبال الغاز الطبيعى المسال من أى سوق عالمية، دون الحاجة إلى إنشاء محطات برية تستغرق سنوات وتكلف مليارات الدولارات.
وأضاف أن هذه السفن تمثل خط الدفاع الأول فى مواجهة أى اضطرابات مفاجئة فى الإمدادات، إذ تتيح للدولة تنويع مصادر استيراد الغاز وعدم الاعتماد على مصدر واحد، فضلًا عن سرعة إعادة تغييز الغاز وضخه مباشرة إلى الشبكة القومية لتغذية محطات الكهرباء.
وتابع: «امتلاك مصر أربع سفن تغييز يمنحها مرونة تشغيلية كبيرة، خاصة فى أوقات الذروة، ويضمن استمرار تشغيل محطات الكهرباء بكفاءة، حتى مع تجاوز الأحمال 40 ألف ميجاوات، مؤكدًا أن هذه المنظومة تقلل مخاطر انقطاع الإمدادات وتدعم استقرار الشبكة الكهربائية».
وأضاف «أبو العلا»، أن وجود هذه السفن لا يخدم السوق المحلية فقط، وإنما يعزز أيضًا مكانة مصر كمركز إقليمى للطاقة، نظرًا لقدرتها على استقبال شحنات الغاز من الأسواق العالمية وإعادة توجيهها أو استخدامها وفقًا لاحتياجات الدولة.
ويشير «أبو العلا» إلى أن امتلاك مصر لمحطتى إسالة فى إدكو ودمياط يمثل ميزة تنافسية لا تمتلكها معظم دول شرق المتوسط، حيث تستطيع الدولة استقبال الغاز المنتج محليًا أو الوارد من دول الجوار، وإسالته ثم إعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية، وهو ما يعظم القيمة الاقتصادية للغاز الطبيعى ويحول مصر إلى مركز إقليمى لتجارة وتداول الطاقة.
وأكد الدكتور جمال القليوبى، أستاذ هندسة البترول والطاقة والخبير البترولى، أن الدولة المصرية تمتلك منظومة متكاملة لإدارة الأزمات فى قطاع الطاقة، أثبتت كفاءتها فى التعامل مع مختلف التحديات الإقليمية والعالمية، بفضل التخطيط الاستراتيجى والتنسيق المستمر بين وزارات البترول والثروة المعدنية، والكهرباء والطاقة المتجددة، والمالية.
وأضاف «القليوبى»، أن هذا التنسيق يضمن توفير الاحتياجات البترولية باعتبارها أحد مكونات الأمن القومى المصرى، من خلال تأمين الاحتياطى الاستراتيجى من الوقود والغاز الطبيعى، وتدبير الموارد المالية اللازمة لاستمرار استيراد الشحنات البترولية والوقودية دون انقطاع، بما يحافظ على استقرار منظومة الطاقة ويضمن تلبية احتياجات محطات الكهرباء والقطاعات الإنتاجية.
وأوضح، أن مصر نجحت فى احتواء تداعيات هذه الأزمات عبر إدارة احترافية اعتمدت على تنويع مصادر الإمداد، ورفع كفاءة البنية التحتية، والتخطيط المسبق لتأمين احتياجات السوق المحلية، وهو ما حال دون حدوث أى نقص فى المنتجات البترولية أو الوقود، رغم التحديات التى واجهتها الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن استمرار الدولة فى دعم البنية التحتية لقطاع الغاز، والتوسع فى استخدام سفن التغييز والتخزين، إلى جانب تعظيم الاستفادة من محطات الإسالة، يعزز من قدرة مصر على تأمين احتياجاتها الداخلية، ويدعم فى الوقت نفسه مكانتها كمركز إقليمى لتجارة وتداول وتصدير الغاز الطبيعى المُسال فى منطقة شرق المتوسط.
وأشار، إلى أن مصر تمتلك حاليًا أربع سفن للتغييز والتخزين، منها ثلاث سفن تعمل بميناء العين السخنة بمنطقة «سوميد»، إلى جانب سفينة التغييز العاملة بميناء دمياط، فضلاً عن انضمام السفينة الجديدة «سان لوك»، التى دخلت المياه الإقليمية المصرية قبل أيام، فى إطار خطة الدولة لتعزيز المخزون الاستراتيجى من الغاز الطبيعي.
واستطرد، أن السفينة الجديدة ستُستخدم كوحدة عائمة لتخزين الغاز الطبيعى، بطاقة تخزينية تكفى لمدة تتراوح بين 40 و50 يومًا، وهو ما يوفر احتياطيًا استراتيجيًا يمكن الاعتماد عليه عند زيادة الطلب على الكهرباء، خاصة خلال أشهر الصيف.
وأكد أن وجود هذه السفن يمنح الدولة مرونة كبيرة فى إدارة منظومة الغاز، ويضمن استمرار إمداد محطات توليد الكهرباء بالوقود اللازم، لاسيما مع ارتفاع الأحمال إلى أكثر من 40 ألف ميجاوات، حيث تتزايد احتياجات محطات الكهرباء من الغاز الطبيعي. وأضاف أن توفير سفينة «سان لوك» يأتى فى إطار استراتيجية استباقية تستهدف تأمين التغذية المستمرة لمحطات الكهرباء، والحفاظ على استقرار الشبكة القومية، بما يعكس قدرة الدولة على إدارة ملف الطاقة بكفاءة واحترافية فى مواجهة أى متغيرات أو تحديات طارئة.
ولفت «القليوبى»، إلى أن نجاح الدولة فى تأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعى لم يكن ليتحقق لولا التكامل بين مختلف مؤسسات الدولة.
وأضاف، أن وزارة البترول، من خلال الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس»، اضطلعت بدور محورى فى إدارة وتأمين صفقات استيراد الغاز المُسال، عبر التفاوض مع موردين عالميين وتنويع مصادر التوريد، بما يضمن توافر الشحنات فى التوقيتات المطلوبة.
وأوضح «القليوبى» أن منظومة التعاقدات تتم وفق تخطيط دقيق يربط بين مواعيد شراء وسداد شحنات الغاز الطبيعى وبين الاحتياجات الفعلية لمحطات توليد الكهرباء، لضمان وصول الشحنات فى التوقيت المناسب دون انقطاع، بما يحقق استمرارية تشغيل المحطات بكفاءة، خاصة خلال فترات ذروة الاستهلاك، ويؤكد قدرة الدولة على إدارة ملف الطاقة بمنهج استباقى يقوم على التخطيط والتنسيق بين الجوانب الفنية والمالية والتشغيلية.
وأكد، أن قطاع البترول نجح فى رفع جاهزية منظومة التغييز بالكامل، بحيث أصبحت سفن التغييز الأربع تعمل بكامل كفاءتها الفنية، بعد الانتهاء من أعمال الصيانة والتجهيز، لتصل القدرة الإجمالية على إعادة تغييز الغاز الطبيعى إلى نحو 3 مليارات قدم مكعبة يوميًا، وهو ما يمثل ركيزة أساسية فى تأمين احتياجات السوق المحلية، خاصة خلال فترات ارتفاع الاستهلاك.
وأضاف أن القطاع تمكن كذلك من تنفيذ عدد من الإجراءات الاستراتيجية لتعزيز مصادر الإمداد، من بينها تطوير التسهيلات الخاصة بخط الربط بين عسقلان والعريش لاستقبال الغاز الوارد، إلى جانب الانتهاء من الإجراءات الخاصة بمشروع خط الربط المصري -القبرصى، الذى يستهدف استقبال الغاز القبرصى ونقله إلى مصر اعتبارًا من يناير 2028، بما يدعم مكانة الدولة كمركز إقليمى لتجارة وتداول الغاز الطبيعى.
واختتم «القليوبى» تصريحاته بالتأكيد على أن ما تحقق فى قطاع الطاقة يعكس نجاح الحكومة فى إدارة واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وحيوية، من خلال منظومة عمل متكاملة شاركت فيها وزارات البترول، والكهرباء، والمالية، والبنك المركزى، وذلك تحت متابعة مباشرة من القيادة السياسية، التى وضعت أمن الطاقة وتوفير السلع البترولية على رأس أولويات الدولة، باعتبارهما أحد أهم مرتكزات الأمن القومى ودعم مسيرة التنمية الاقتصادية.
وأضاف الدكتور جمال القليوبى أن قطاع البترول نجح خلال السنوات الثمانى الماضية فى تنفيذ استراتيجية متكاملة لتعزيز أمن الإمدادات البترولية، من خلال استيراد خامات البترول اللازمة لزيادة معدلات تشغيل معامل التكرير ورفع كفاءتها التشغيلية، بما أسهم فى تعظيم إنتاج المشتقات البترولية محليًا وتقليل الاعتماد على استيراد المنتجات النهائية.
وأوضح أن هذه الاستراتيجية مكنت الدولة من بناء مخزون استراتيجى آمن من مختلف المنتجات البترولية، مع توفير طاقات تخزينية تكفى لأكثر من شهرين، تشمل المازوت، والسولار، والبنزين، والبوتاجاز، ووقود الطائرات (الكيروسين)، وهو ما عزز قدرة الدولة على مواجهة أى اضطرابات محتملة فى الأسواق العالمية أو سلاسل الإمداد.






