منحت تمويلات تجاوزت 96 مليار جنيه لـ10.8 مليون مواطن
شركات التمويل الاستهلاكى بين حلم الامتلاك.. وفخ التعثر
د. هيثم يونس
شهدت شركات التمويل الاستهلاكي، فى السنوات الأخيرة، انتشارًا واسعًا فى السوق المصرية، مدفوعة بتزايد الإقبال على شراء السلع والخدمات بنظام التقسيط، سواء الأجهزة الكهربائية أو الهواتف المحمولة أو الأثاث أو الخدمات التعليمية والطبية، وبينما يرى البعض أنها تمثل وسيلة فعالة لتخفيف الأعباء المالية وتوسيع فرص الشراء، يحذر خبراء اقتصاديون من أن التوسع غير المدروس فى الاعتماد عليها قد يدفع شريحة من المواطنين إلى دوامة الديون والتعثر المالي.
وقفز نشاط التمويل الاستهلاكى بصورة غير مسبوقة، إذ بلغ عدد الشركات المرخص لها 48 شركة، فيما تجاوزت قيمة التمويلات الممنوحة 96.3 مليار جنيه خلال عام 2025، استفاد منها أكثر من 10.8 مليون عميل، ما يعكس النمو السريع للقطاع، لكنه يثير، فى الوقت نفسه، تساؤلات حول مخاطر زيادة مديونية الأسر واحتمالات تعثر بعض العملاء فى السداد.
«نمو متسارع فى سوق التمويل»
ساهم ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأسعار فى لجوء عدد متزايد من الأسر إلى التمويل الاستهلاكى لتلبية احتياجاتها الأساسية، بعد أن أصبح الدفع النقدى الكامل يمثل عبئًا على كثير من الأسر، كما ساعدت التطبيقات الرقمية وسهولة إجراءات الحصول على التمويل فى زيادة الإقبال على هذه الخدمات، لذا يؤكد متخصصون أن التمويل الاستهلاكى فى حد ذاته ليس مشكلة، بل يعد أداة مالية مشروعة تسهم فى تنشيط الأسواق وزيادة معدلات الاستهلاك، بشرط أن يتم استخدامه فى حدود القدرة الحقيقية للمستهلك على السداد.
وتكمن المشكلة عندما يحصل المواطن على أكثر من تمويل فى الوقت نفسه، أو يعتمد على التقسيط لشراء سلع كمالية تتجاوز احتياجاته وإمكاناته المالية، وهنا أيضًا يشدد خبراء على أن تعدد الأقساط الشهرية قد يؤدى إلى استنزاف جزء كبير من دخل الأسرة، ما يجعلها أكثر عرضة للتعثر عند حدوث أى ظرف طارئ، مثل فقدان الوظيفة أو انخفاض الدخل أو التعرض لأزمة صحية، فضلًا عن أن بعض المستهلكين لا ينتبهون إلى التكلفة النهائية للتمويل، التى قد تكون أعلى بكثير من السعر النقدى للسلعة بعد إضافة المصروفات والرسوم والعوائد، فيكتشفون لاحقًا أنهم يتحملون التزامات مالية تفوق توقعاتهم.
«آثار اقتصادية واجتماعية»
لا تقتصر مخاطر الإفراط فى الاقتراض على الفرد فقط، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع، فزيادة الديون قد تؤدى إلى ضغوط نفسية وخلافات أسرية، وقد تدفع بعض المواطنين إلى الاقتراض من جهات أخرى لسداد الأقساط السابقة، وهو ما يعرف بـ «دوامة الديون»، لذلك يرى اقتصاديون أن ارتفاع معدلات التعثر يؤثر كذلك فى شركات التمويل نفسها، ويزيد من مخاطر الائتمان، الأمر الذى قد يدفعها إلى تشديد شروط منح التمويل مستقبلًا، الأمر الذى ينعكس على حركة الأسواق.
ويشدد خبراء التمويل على أن الحد من هذه المخاطر يتطلب مسئولية مشتركة بين الشركات والمستهلكين والجهات الرقابية، فعلى شركات التمويل إجراء تقييم دقيق لقدرة العميل على السداد، وعدم التوسع فى منح التمويل لمن تتجاوز التزاماتهم الحدود الآمنة، مع توضيح جميع الرسوم والتكاليف بشفافية كاملة قبل توقيع العقود، وفى المقابل، ينبغى على المستهلك قراءة شروط العقد بعناية، وعدم الانجراف وراء العروض التسويقية دون دراسة أثر الأقساط على ميزانيته الشهرية، مع تجنب الحصول على أكثر من تمويل فى الوقت نفسه إلا عند الضرورة.
«الثقافة المالية ليست رفاهية»
ويرى مختصون أن نشر الثقافة المالية بين المواطنين أصبح ضرورة ملحة فى ظل التوسع الكبير فى أدوات التمويل الرقمي، فالإدارة الرشيدة للدخل والإنفاق، والتمييز بين الاحتياجات الأساسية والرغبات الاستهلاكية، يمثلان خط الدفاع الأول ضد الوقوع فى التعثر المالي.
فبينما تبقى شركات التمويل الاستهلاكى أداة اقتصادية يمكن أن تسهم فى تحسين مستوى المعيشة وتنشيط الأسواق، فإنها قد تتحول إلى عبء ثقيل إذا غاب الوعى المالي، أو تم التوسع فى الاقتراض دون حساب دقيق للقدرة على السداد، فالمعادلة الحقيقية لا تكمن فى سهولة الحصول على التمويل، إنما فى القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية دون الإضرار باستقرار الأسرة ومستقبلها الاقتصادي.
الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادي، يقول: إن التوسع الكبير فى نشاط شركات التمويل الاستهلاكى فى مصر خلال السنوات الأخيرة كان له وجهان؛ فقد ساهم فى تنشيط الطلب ودوران عجلة السوق، لكنه فى المقابل رفع أعباء المديونية على بعض الأسر، مؤكدًا أنه لا يمكن إنكار أن التمويل الاستهلاكى لعب دورًا مهمًا فى تحريك الأسواق، خاصة فى قطاعات السيارات والأجهزة الكهربائية والأثاث، فهذا النوع من التمويل ساعد شريحة كبيرة من المواطنين على تلبية احتياجاتهم وتقسيطها بدلًا من تأجيل الاستهلاك، ما انعكس إيجابًا على المصانع وتجار التجزئة والناتج المحلى.
«فخ التسهيلات المفرطة»
وينوه إلى أن الجانب الآخر يتمثل فى أن التسهيلات المفرطة وسرعة الموافقات دفعت بعض الأسر إلى الدخول فى أكثر من التزام فى وقت واحد، ما أدى إلى زيادة عبء المديونية وتراجع القدرة الشرائية على المدى المتوسط، محذرًا من أن ارتفاع معدلات التعثر فى سداد الأقساط يحمل مخاطر اقتصادية واجتماعية متعددة، وأن المخاطر الاقتصادية تشمل تراجع جودة محافظ الشركات، وزيادة المخصصات، وتراجع ثقة البنوك الممولة للشركات، أما المخاطر الاجتماعية فتتمثل فى ضغوط معيشية على الأسر، وتراكم الديون، وربما اللجوء إلى أساليب تمويل غير رسمية بفوائد مرتفعة.
ويقترح غراب مجموعة من الإجراءات للحد من هذه المخاطر، أبرزها تشديد الرقابة على منح التمويل وربطها بقاعدة بيانات ائتمانية موحدة وشاملة، إضافة إلى تحديد نسبة عبء الدين، بحيث لا يتجاوز قسط الأسرة نسبة معينة من الدخل الشهري، إلى جانب التوعية المالية للمواطنين بأهمية إدارة الديون وعدم الدخول فى التزامات تفوق القدرة على السداد، وإلزام الشركات بإعادة جدولة ديون المتعثرين الجادين بدلًا من اللجوء الفورى إلى الإجراءات القانونية.
«الوعى بالحقوق والواجبات»
وأرجع غراب أسباب تعثر بعض العملاء إلى عوامل عدة، أبرزها سوء التقييم الائتمانى الأولي، وعدم دقة بيانات الدخل، والصدمات الداخلية المفاجئة مثل فقدان الوظيفة أو المرض، وثقافة الاقتراض المتعدد، حيث يحصل العميل على تمويل من أكثر من شركة فى الوقت نفسه، إضافة إلى ضعف الثقافة المالية وعدم إدراك بعض العملاء لحجم الالتزام طويل الأجل، مؤكدًا ضرورة تحقيق توازن دقيق بين دعم نشاط التمويل الاستهلاكى كمحرك للطلب وحماية المواطنين، وذلك من خلال 3 محاور تتمثل فى تنظيم أقوى من هيئة الرقابة المالية يضع سقوفًا واضحة لنسب المديونية، وشركات أكثر انضباطًا فى إدارة المخاطر، ومواطن أكثر وعيًا بحقوقه وواجباته.
«تحدٍ اقتصادى واجتماعى»
الدكتورة يمن الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، تحذر من التوسع المتسارع لشركات التمويل الاستهلاكي، مؤكدة أنها أصبحت تمثل تحديًا اقتصاديًا واجتماعيًا بالغ الخطورة فى ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، بعدما نجحت فى توسيع نطاق أعمالها وزيادة حصتها فى السوق بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، موضحة أن هذه الشركات تعتمد فى نشاطها على استغلال احتياجات المواطنين، خاصة مع الارتفاع المستمر فى أسعار السلع والخدمات، مقابل تراجع القوة الشرائية وانخفاض مستويات الدخول، ما يدفع شريحة واسعة من الأسر إلى اللجوء إلى الاقتراض من أجل شراء احتياجات أساسية كان من المفترض أن يتم توفيرها من الدخل الشهري، وليس من خلال الديون.
وتوضح أن التمويل الاستهلاكى لم يعد يقتصر على شراء السلع الكمالية، بل امتد ليشمل السلع الأساسية، الأمر الذى يعكس حجم الضغوط المعيشية التى يواجهها المواطنون، وفى المقابل، تحقق شركات التمويل أرباحًا كبيرة من الفئات محدودة ومتوسطة الدخل، التى تتحمل أعباء فوائد وأقساط قد تمتد لسنوات، بما يزيد من الضغوط المالية عليها، مشددة على أن خطورة هذه الظاهرة لا تتوقف عند الجانب الاقتصادى فقط، بل تمتد إلى تداعيات اجتماعية مقلقة، خاصة أن تراكم الديون وتعثر المقترضين فى سداد الالتزامات المالية يسهمان فى زيادة المشكلات الأسرية، وقد يكونان من العوامل المؤدية إلى ارتفاع معدلات الطلاق والتفكك الأسري.
«أنشطة غير مستدامة»
وحول مواجهة هذه الظاهرة، تشدد على أنها تتطلب معالجة جذورها الاقتصادية، وليس الاكتفاء بتنظيم نشاط شركات التمويل، مؤكدة أن الحل يكمن فى تبنى سياسات فعالة لمكافحة الفقر، ورفع مستويات الدخل، وتمكين الشباب اقتصاديًا، إلى جانب توفير فرص عمل حقيقية، وتأهيلهم لإقامة مشروعات صغيرة ومتوسطة تضمن لهم مصادر دخل مستقرة، بما يقلل الاعتماد على الاقتراض الاستهلاكى ويعزز النمو الاقتصادى المستدام.
الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، يقول: إن ظاهرة التوسع السريع لشركات التمويل الاستهلاكى فى مصر تعد سلاحًا ذا حدين، وتشكل أحد أبرز ملامح المشهد الاقتصادى الحالي؛ إذ يتقاطع فيها تحريك عجلة الأسواق مع المخاطر الهيكلية للديون الاستهلاكية، منوهًا إلى أن تقييم هذا التوسع يشير إلى أنه أدى دورًا مزدوجًا ومزدوج الأثر.
ويتابع: فمن ناحية، أسهم النشاط بشكل ملموس فى تنشيط حركة الأسواق ودعم قطاعات التجزئة والسلع المعمرة والإلكترونيات والخدمات، حيث أتاح للشرائح متوسطة ومحدودة الدخل تلبية احتياجاتها الأساسية وتوزيع تكاليفها على فترات زمنية أطول فى ظل الضغوط التضخمية وتآكل القوة الشرائية، كما عزز هذا التوسع جهود الشمول المالى بالوصول إلى ملايين المواطنين الذين لا يتعاملون مع القطاع المصرفى التقليدي، لكن، من ناحية أخرى، تحول هذا التنشيط إلى وسيلة لاستهلاك الدخل المستقبلى للأسر بدلًا من زيادته، ما أسفر عن تراكم مديونيات الأسر وزيادة عبء الدين الشهرى مقارنة بالدخل الحقيقي، الأمر الذى يعكس أن جانبًا كبيرًا من هذا النمو يعتمد على الاستدانة بدلًا من النمو الاقتصادى القائم على الإنتاج وزيادة الأجور.
«ضغوط نفسية ونزاعات أسرية»
وبشأن ارتفاع معدلات التعثر فى سداد هذه الأقساط، فيرى أنه ينطوى على مخاطر اقتصادية واجتماعية مركبة؛ فاقتصاديًا، قد تؤدى زيادة التعثر إلى تراكم الديون الميتة وتراجع جودة أصول شركات التمويل، ما قد ينعكس سلبًا على النظام المالى ككل، خاصة البنوك التى تمد هذه الشركات بالسيولة أو تشترى محافظ توريقها، أما اجتماعيًا، فتتسبب القروض متراكمة الفوائد وغرامات التأخير فى وقوع الأسر فى مصيدة الديون الدائمة، الأمر الذى يزيد من الضغوط النفسية والنزاعات الأسرية، وينقل الشرائح القريبة من خط الفقر إلى دوامة العوز والتعثر القانوني.
وللحد من هذه المخاطر، يقترح «الشافعي» فرض سقف إجبارى لنسبة أقساط الديون إلى الدخل الشهرى للعميل، وإلزام الشركات بالربط مع نظام استعلام ائتمانى لحظى وموحد يمنع العميل من الاقتراض من جهات عدة فى الوقت نفسه، فضلًا عن حظر الممارسات التسويقية الضارة وتفعيل آليات وساطة لإعادة جدولة الديون المتعثرة بدلًا من اللجوء المباشر إلى القضاء.
«أزمة العجز عن السداد»
وفيما يخص الأسباب الرئيسية لتعثر العملاء، فيرى أنها متعددة؛ ويأتى فى مقدمتها ارتفاع معدلات التضخم المستمر، الذى يلتهم السيولة المتبقية لدى الأسرة بعد توفير السلع الأساسية، إلى جانب التغيرات غير المتوقعة فى الدخل أو فقدان الوظائف، ويتحمل سوء التقييم الائتمانى جزءًا كبيرًا من المسئولية، إذ يُمنح التمويل للعميل بناءً على تقييم قدرته على سداد القسط المفرد دون مراعاة تراكم الأقساط لدى شركات أو بنوك أخرى، ما يجعله عاجزًا عن السداد بمجرد حدوث أى طارئ مالي.
ويختتم: تحقيق التوازن المطلوب بين دعم السوق وحماية المواطنين، يتطلب الأمر حوكمة رقابية صارمة تقودها الهيئة العامة للرقابة المالية بالتنسيق مع البنك المركزي، ويستوجب ذلك فرض الشفافية الإفصاحية التامة، بحيث يلتزم الممول بإعلان معدل التكلفة السنوية الفعلية للتمويل، بما فى ذلك جميع الرسوم والفوائد، وتشديد الرقابة على منح الائتمان عبر قواعد بيانات لحظية شاملة، إلى جانب نشر الثقافة المالية وتوعية المواطنين بمخاطر التوسع فى الاقتراض للسلع غير الضرورية، لضمان بقاء التمويل الاستهلاكى محركًا آمنًا للنمو دون أن يتحول إلى أزمة مديونية هيكلية.






