الثلاثاء 10 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
إحياء للإرادة والسيادة والكرامة الوطنية

إحياء للإرادة والسيادة والكرامة الوطنية






بعد 146عامًا، من الافتتاح الأول لقناة السويس 16 نوفمبر1869م، حفر المصريون، تاريخًا جديدًا فى ذاكرة العالم، 6 أغسطس 2015، بحروف من الإرادة والعزيمة والكرامة الوطنية، وما بينهما الافتتاح الثانى 1975، الذى أعقب تطهير القناة من مخلفات حرب تحرير سيناء الغالية.
ما بين حفر القناة، الذى استغرق 10 سنوات فى الماضى، وفرعها الجديد الذى أنجز فى عام واحد، شريان جديد للحياة، على انقاض خط بارليف الذى ظنه الصهاينة يوماً منيعاً،  الكثير من المفارقات والتناقضات، التى تقدم الرسائل والعبر لأجيال شابة،  تبعث على الفخر والأمل بغد أفضل، وترسل بمئات الرسائل للعالم والقوى المناهضة لمصر خارجيًا وداخليًا.
فالعودة بالذاكرة إلى ما سجلته الرسائل العلمية والمؤرخون، عن حفر القناة الأم، وما نعايشه اليوم، يؤكد بما لا يدع أى مجال للشك، أن المشروع العملاق الذى أنجزه المصريون فى عام واحد، يمثل انتصارا للإرادة الوطنية، فما كان البدء فى حفر القناة عام 1859، فى عهد الخديو سعيد، إلا محاولة من قوى الاستعمار الفرنسى المتنافسة مع الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية، لنهب المزيد من ثروات الشرق الأوسط، وفى مقدمتها مصر.
وليس أدل على ذلك من عقد حفر القناة، الذى وقعه محمد سعيد باشا والى مصر، فى 30 من نوفمبر 1854 بموافقة الباب العالى فى اسطنبول، مع فرديناند ديليسبس، والذى يمنح شركته الفرنسية امتياز حفر قناة السويس، مقابل حق الانتفاع للشركة لمدة 99 عامًا، تحصل خلالها، على كامل الأرباح، باستثناء 15% فقط من الارباح تحصل عليها مصر، بل وتلتزم الحكومة المصرية بتوفير العمالة، وحال شق الشركة ترعة مياه إلى الاسماعيلية، ليرتوى منها العمال، تحصل الشركة على حق امتلاك وزراعة ملايين الأفدنة على جانبيها، إلى جانب الكثير من بنود العقد المجحفة.
هذا العقد الاستعمارى، الذى وقعه سعيد، دفع المستشار السابق بمحكمة الاستئناف المختلطة بالاسكندرية حينها، ويدعى «كرابيتس» للتهكم على والى مصر قائلاً: «من الغريب أن سعيدًا لم يطالب صديقه بأى ثمن فى مقابل الامتيازات التى منحها إياه، بل باع إرث الفراعنة لرجل فرنسى وقبض الثمن ابتسامة زائلة» وهو ما سجله الدكتور عبدالعزيز الشناوى، فى رسالته لنيل درجة الماجستير بعنوان: «السخرة فى حفر قناة السويس»، والتى كشفت حجم المعاناة والأثمان الباهظة التى دفعها شعب مصر والفلاحون البسطاء من دمائهم وأرواحهم، 10 سنوات عمل فيها نحو مليون مصرى بالسخرة فى حفر القناة، استشهد خلالها نحو 120 ألفًا، بالعطش والأوبئة وسوء التغذية، وتحت لهيب السوط الذى كان يلهب ظهر من يحاول الهرب من ساحة الحفر، هربًا من العطش والسخرة.
شتان بين حفر القناة الرئيسية، فى العهد الملكى، وحفر القناة الجديدة، اليوم بسواعد المصريين، وإرادتهم، وتحت إشراف جيشهم العظيم، وبأموالهم، وقبل كل شىء بكرامتهم، حيث عمل الجميع وسط رعاية وحفاوة وتكريم، من الشعب ومؤسساته، والأهم ثمار الجهد للوطن وليس لغزاة كما كان فى عهد ديليسبس.
انجاز القناة الجديدة، رسالة شكر من الأحفاد للأجداد الذين ضحوا بالدماء، سطرها الرئيس عبدالفتاح السيسى، وقبلها كان انتزاع الزعيم جمال عبدالناصر لحق مليون مصرى شارك فى حفر القناة، بتأميمها فى 26 يوليو 1956، بانتزاعها من بين انياب المحتل، وضمها لحضن الوطن.
القناة الجديدة  تحقق عنصر حماية للأمن القومى وركيزة تعمير لسيناء، وارتقاء بالدخل القومى، فشريان الحياة الجديد، بمثابة العمود الفقرى، الذى ينتظر أن تنجز حوله المشروعات اللوجستية والشحن والتفريغ، وصيانة السفن، والأهم هو رفع القدرة التنافسية للقناة، لقطع الطريق على محاولات الكيان الصهيوني، شق قناة منافسة.
هذا الإنجاز التاريخى، فى عام واحد، وبتمويل وتنفيذ مصرى خالص، وفى عام متخم بالتحديات والمؤامرات الدولية أذرعها الداخلية، رسالة للعالم بأن مصر غير قابلة للإرهاب، وأنها ماضية نحو موقعها الريادى الذى تستحقه بين الأمم، بما لها من تاريخ، حافل بالمعجزات، والأنجازات، وما تمتلكه من جغرافيا، وزعامة عربية وإسلامية، وقبل كل شىء أصالة الإنسان المصرى، الذى يعطى بلا حدود عندما يجد قائداً ملهماً، يستنفر فيه الوطنية بمشروعات قومية، ولعل أهم ما تملكه مصر من مقومات، الريادة، هو جيشها الباسل، خير أجناد الأرض، فهم خيوط حرير من نسيج هذا الشعب العظيم، فتلك القناة الجديدة التى أشرف الجيش على انجازها، وما سيتم من مشروعات لوجيستية وتنموية، ستقوم على أنقاض خط بارليف الذى أقامه الصهاينة من قبل ودمره الجيش المصرى أكتوبر 1973.. تحيا مصر.