أيمن عبد المجيد
تعميق التعاون الاستراتيجى المصرى التركى تعظيمًا للفرص ومواجهة التحديات
طفرة تشهدها العلاقات المصرية التركية، على طريق تعميق التعاون الاستراتيجى الشامل، تعزيزًا لفرص التعاون، ومجابهة التحديات المتعاظمة دوليًا وإقليميًا.
عكَس ذلك استقبال الرئيس عبدالفتاح السيسى، نظيره الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، بقصر الاتحادية والوفد المرافق له، وما أثمرته الزيارة من نتائج إيجابية، فى مقدمتها الإعلان المشترك للاجتماع الثانى لمجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى بين البلدين.
الإعلان الذى تضمن 40 بندًا، وما أعقبه من قمة رئاسية، ومؤتمر صحفى للرئيس السيسى والرئيس أردوغان، ولقاء مجتمع رجال الأعمال المصريين والأتراك، وهو ما يبشر بتحولات جذرية إيجابية فى العلاقات تحقق صالح البلدين وشعبيهما والأمن والاستقرار فى الإقليم.
فقد حملت لغة الخطاب الرئاسى، وصفًا متبادلًا من الرئيس السيسى والرئيس أردوغان، للآخر بـ«أخى العزيز»، وتلاقيًا للرؤية السياسية بشأن الملفات شديدة الحساسية، اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا.
تمتد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لأكثر من مئة عام منذ 1925، وأعمق من ذلك تاريخيًا، لتعود لقوّتها متجاوزة هزة امتدت عشر سنوات، بزيارة الرئيس رجب طيب أردوغان للقاهرة فبراير 2024، وما أعقبها من زيارة الرئيس السيسى لأنقرة سبتمبر من ذات العام وهى الزيارة التى وضعت لبنة مجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى وانعقاد اجتماعه الأول.
وما بين الاجتماع الأول والثانى بالقاهرة أمس، رحلة من الشراكة الاستراتيجية، والتعاون فى مختلف الملفات على المستوى الثنائى والإقليمى والدولى، فى مجابهة تحديات اقتصادية، وملفات أمن الطاقة والقضية الفلسطينية، وجهود استعادة قدرة مؤسسات الدولة الوطنية العربية التى شهدت انقسامات، وما يهدد المنطقة والقرن الإفريقى والملاحة فى البحر الأحمر من تحديات.
وإجمالًا، يمكن تلخيص مكاسب تعميق التعاون فى المحاورالتالية:
أولًا: التعاون الثنائى:
ينطلق التعاون وتعميق العلاقات الاستراتيجية، من الروابط الأخوية التاريخية، وأساس الاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة.
تعزيز ذلك التعاون وفق الإعلان المشترك للاجتماع الثانى لمجلس التعاون الاستراتيجى، يشمل التنسيق والتعاون فى المحافل الدولية والإقليمية، دعمًا للجهود العالمية الرامية إلى التصدى للتحديات المشتركة، بما فى ذلك الأمن والسلم الدوليين، والتنمية المستدامة وقضايا تغير المناخ والأمن الغذائى.
وفيما يخص المنفعة المتبادلة بين البلدين، يولى الاهتمام المشترك، التعاون الاقتصادى أهمية خاصة، فى ظل التحديات التى يشهدها العالم بانعكاساتها الإقليمية والمحلية، بهدف الوصول بالتعاون التجارى إلى 15 مليار دولار سنويًا، وقد بلغ مع تعزيز العلاقات مؤخرًا 9 مليارات دولار.
وفى كلمته خلال المؤتمر الصحفى، أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى أن مصر الشريك التجارى الأول لتركيا فى القارة الإفريقية، مشيدًا بالتطور الإيجابى لمسار التعاون، وما تبذله مجموعة التخطيط المشترك من جهود والتى عقدت اجتماعها الأول نوفمبر 2025.
تعزيز الاستثمارات هدف رئيسى للبلدين، وقد اقتربت استثمارات تركيا فى مصر من الـ 4 مليارات دولار، عبر 1700 شركة، فيما بلغ حجم الصادرات المصرية للسوق التركية 3.2 مليار دولار 2025, بينما واردات السوق المصرية من تركيا 3.6 مليار بحسب إحصاءات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء.
ولقد شهدت الزيارة تعاونًا على المستويات كافة، عبر اتفاقيات وبرتوكولات تعاون فى مجالات الدفاع، والاستثمار، والتبادل التجارى والثقافى، وقد شهدت عودة العلاقات لقوّتها منذ 2024 إلى اليوم نموًا ملحوظًا فى التبادل التجارى الثنائى الذى بلغ 9 مليارات، وتعزز تلك الاتفاقيات وما تبذله المؤسسات بالبلدين من تحقيق مستهدف الـ15 مليارًا بحلول عام 2028.
ثانيًا: الآليات التنفيذية:
تتعدد الآليات التنفيذية لتعميق العلاقات الاستراتيجية الشاملة بين القاهرة وأنقرة وتحقيق مستهدفات التعاون الثنائى عبر اجتماعات دورية لمجلس التعاون الاستراتيجى برئاسة مشتركة حيث يعقد الاجتماع الثالث فى تركيا عام 2028 بإذن الله.
فيما تواصل لجنة التخطيط المشترك أعمالها، مع إنشاء اللجنة الوطنية لتعزيز ومتابعة الاستثمارات التركية فى مصر بهدف مزيد من تيسير الاستثمار، مع تبادل تنظيم المعارض وعقد منتديات الاستثمار بما يعزز التعاون التجارى بين البلدين.
وتحتل الصناعة اهتمامًا كبيرًا لتوطين التكنولوجيا ونقلها وفق شروط متفق عليها، ودعم الابتكار وبناء القدرات، والالتزام بتبادل الخبرات، والاهتمام بالمجالات كثيفة الإنتاج والعمالة، والتعاون فى مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة لتحقيق أمن الطاقة، والاقتصاد الكلى والتسهيلات الجمركية المحققة لأهداف البلدين.

والمدقق فى إعلان اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجى المشترك، يخلص إلى أن مصر وتركيا تسعيان إلى تكامل بين قوتين إقليميتين لتحقيق أهداف مشتركة فى صالح شعبيهما، فالتحديات الاقتصادية العالمية، لا يمكن مواجهتها بدون تعاون وتكامل، وليست التحديات الاقتصادية وحدها بل الأمنية أيضًا.
ففى كلمته أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى، أن إحلال السلم والأمن الإقليمى مسئولية جماعية تتطلب تنسيقًا وتعاونًا أعمق، للوصول إلى حلول سياسية مستدامة.
وقبل الانتقال للأمن الدفاعى، نشير للأمن الاقتصادى والغذائى وأمن الطاقة وأمن الدواء، ففى البند 12 من الإعلان المشترك، تقرر إنشاء لجنة فنية مشتركة للتعاون فى مجالات الصناعات الدوائية والأجهزة الطبية، ونظم الرعاية الصحية، والسياحة الطبية وإعادة التأهيل الطبى والشراكة بين القطاعين العام والخاص.
لينتقل الإعلان للتعاون فى المجال الزراعى بوصفه ركيزة من ركائز الشراكة الاستراتيجية المحققة للأمن الغذائى وسلاسل الإمداد القادرة على الصمود، والتجارة الزراعية وفق المعايير الدولية، وما يشمله هذا القطاع من قدرات فنية ورقمنة وتبادل خبرات ومعلومات.
فرص العمل ونقل العمالة بين البلدين أحد محاور التعاون، ومجالات التعليم مع بحث فرص تعاون إضافية مستقبلية.
وهنا شراكة هدفها التكامل فى تحقيق معدلات نمو اقتصادى أفضل بانعكاساتها الإيجابية على الشعبين، ومجتمع رجال الأعمال، والسوق المحلية، تكاملًا فى مواجهة التحديات الاقتصادية.
ثالثًا: توافق حول القضايا الإقليمية:
وهنا الشراكة تصل إلى توافق مصرى تركى حوّل الثوابت التى لم تحد عنها مصر يومًا، دعم استعادة قوة الدولة الوطنية العربية بمؤسساتها، ورفض المليشيات والتدخلات الأجنبية، وتبنى حلولًا سياسية نابعة من الدولة الوطنية.
هنا تقارب ينهى نقاطًا خلافية، شراكة بناءة، قائمة على إحلال السلم والأمن ومجابهة محاولات تفتيت الدول وتهديد السلم الإقليمى.
-1 القضية الفلسطينية: توافق حول البناء على جهود مصر وتركيا وقطر وأمريكا لمواصلة اتفاق السلام والانتقال إلى التعافى المبكر والإعمار مع التمسك بحل جذرى قائم على حل الدولتين؛ دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على حدود 4 يونيه 1967.
مع التأكيد على رفض محاولات الالتفاف على خطة السلام أو المساس بحقوق الشعب الفلسطينى غير القابلة للتصرف.
وفى كلمته وجه الرئيس أردوغان الشكر لمصر، لدعمها وتيسيرها إيصال المساعدات الإغاثية التركية لغزة.
-2 سوريا: ترحيب مشترك بوقف إطلاق النار، والتمسك بوحدة وسلامة الأراضى السورية.
-3 السودان: دعم جهود الوصول لهدنة إنسانية ووقف إطلاق النار، والحلول السياسية السودانية، وهنا تحدث الرئيس السيسى عن إطلاع الرئيس رجب طيب أردوغان على الجهود المصرية فى هذا الشأن، ليعلن أردوغان فى كلمته دعم جهود إحلال السلام.
-4 الصومال: تدعم القاهرة وأنقرة وحدة الصومال، وتراقبان عن كثب محاولات المساس بأمنها، وترفضان الإعلان الإسرائيلى الذى يعترف بالصومال لاند.
وهنا أهمية بالغة فى حماية أمن القرن الإفريقى، والتعاون الأمنى فى حماية سلامة ووحدة الصومال والملاحة فى البحر الأحمر، والشراكة المصرية التركية بالغة الأهمية، ومعهما المملكة العربية السعودية.
-5ليبيا: توافق على أهمية إحلال الأمن وتجديد مصر رفضها للتدخلات الأجنبية فى الشأن الليبى وضرورة خروج القوات الأجنبية والمليشيات، ودعم الحل السياسى الليبى الليبى وإجراء الانتخابات.
-6 إيران: دعم الحلول السياسية للملف النووى، وخفض التصعيد فى المنطقة فى مواجهة التحديات الراهنة.
إن تعميق التعاون الاستراتيجى بين مصر وتركيا؛ القوتين الإقليميتين الأقوى فى الشرق الأوسط، بات ضرورة حتمية، وثمرة سياسة حكيمة ومواقف مصر الثابتة، التى تنتهج الصبر الاستراتيجى، وبناء شراكات متوازنة مع القوى الإقليمية كافة.
اليوم لا مكان لخلافات، بل يوم التكامل وتعاون القوى الإقليمية لبناء شراكات بناءة تسهم فى مجابهة التحديات، وتعزيز القدرات وإحلال الأمن والسلم الدوليين.
ولعل كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى لمجتمع الأعمال المصرى التركى المشترك، بليغة إذ قال: «لا نعزز اليوم الشراكات القائمة فحسب، بل نضع حجر أساس لمرحلة جديدة تتسم بالطموح، تحقق مصالح شعبينا».
ربما يدرك الجميع اليوم أهمية الجراحات الاقتصادية المصرية، وتعزيز كفاءة البنية التحتية، لاقتصاد حديث وتنمية مستدامة جاذبة للاستثمار. فقد أكد الرئيس السيسى فى كلمته فى منتدى الأعمال المصرى التركى أن مصر «ضخت منذ عام 2014 استثمارات بـ 550 مليار دولار، شملت تحديث شبكات الطرق والمياه وقطاعات الطاقة والمدن الذكية، ولم يكن تطوير البنية الأساسية هدفه معالجة مشكلات الحاضر فقط، بل مبنيا على رؤية مستقبلية تهدف لتهيئة أرض صلبة لبناء اقنصاد حديث ومتنوع وجاذب للاستثمارات».
وهنا وضع الرئيس السيسى خارطة لأولويات التعاون بين رجال الأعمال المصريين والتركيين، وفى مقدمتها التركيز على المسارات العملية، فى 4 قطاعات، أولها: تعزيز الاستثمارات في المجالات ذات الأولوية والقيمة التكنولوجية العالية مثل السيارات ومكوناتها وصناعة الكيماويات والأجهزة المنزلية، والثانى: بناء شراكات لوجستية وخطوط نقل بحرى بالموانئ المصرية تخدم الأسواق المحيطة، والثالث: دفع التعاون في مجالات التحول الأخضر والطاقة النظيفة، ولتحقيق ذلك لا بد من المسار الرابع وهو: تفعيل آليات التواصل المباشر بلقاءات دورية.
ولعل شهادة الرئيس رجب طيب أردوغان فى كلمته بمجتمع الأعمال المشترك بـأن «مصر نجحت بقواتها وصلابة شعبها فى التغلب على تحديات جسيمة.. وأنها تظل الوجهة الثانية الأكثر جذبًا للاستثمارات التركية» دليل دامغ على أن الاستثمار فى تعزيز القدرة الشاملة المصرية لم يكن رفاهية بل استعداد للمستقبل بما يحمله من تحديات وفرص.
والمدقق هنا يكتشف حتمية الشراكات للقوى المتقاربة جيوسياسيا لضمان استدامة سلاسل الإمدادات فى محيط عالمى ودولى متلاطم التحديات والمخاطر.
حفظ الله مصر









