أيمن عبد المجيد
قانون النعجة دوللى
هل ثمة علاقة بين استنساخ النعجة دوللى، والمسودة النهائية، لمشروع قانون الصحافة والإعلام؟!
فى 5 يوليو 1996 شهد معهد روزلين للأبحاث، فى جامعة إدنبرة الإسكتلندي، نجاح عملية استنساخ، أول حيوان ثدى من خلية جسمية لحيوان آخر بالغ، وسط تهليل الفريق البحثي، بالإنجاز العلمى غير المسبوق، لكن بعد ست سنوات فقط من الولادة، وفى 14 فبراير 2003، اتخذ الفريق ذاته قرار إنهاء حياة النعجة المريضة، بأسلوب القتل الرحيم بعد أن أظهرت الفحوص البيطرية أنها مصابة بالروماتيزم، ومرض صدرى فى حالة متدهورة، يطابق أمراض الشيخوخة، التى لا تستجيب للعلاج، فتاريخ ميلاد النعجة المستنسخة، الحقيقي، هو عمر خلايا الاستنساخ،كون عمرها نحو سبع سنوات عند الميلاد، فشاخت، فى ريعان الشباب.
وهكذا مسودة قانون تنظيم الصحافة والإعلام، التى يهلل لها الزملاء، «فريق الصياغة» لجنة الخمسين، فى الظاهر هو قانون جديد وليد، لكن فى الحقيقة، هو مجرد استنساخ للقوانين القديمة، يحمل بين طياته جينات الشيخوخة، وأمراض الماضي، دون علاج، مسودة تحمل روماتيزم القيادة، التى تأتى بلا ضوابط واضحة للكفاءة، ووهن وعجز عن مقاومة ملاك الصحف، الذين يصدرون الصحف لخدمة مصالحهم، ثم يغلقونها وفق أهوائهم، دون أى مراعاة لحق الصحفى العامل بها.
المدقق بعمق فى مسودة القانون المقترح، من لجنة «الخمسين»، يكتشف أن مواده، بلغت من الكبر عتيًا، واشتعلت نصوصه شيبًا، والأدلة كثيرة وجلية، فمن البديهيات، والمسلمات فى علم المنطق، أن القانون، يعدل عندما، تعجز نصوصه، عن مواجهة مشكلات تظهر مع ممارسة النشاط المنظم له، وتسن التشريعات، عندما يواجه مجتمع أو مهنة ما مشكلات، لا ينظمها قانون، ومن هذه الفلسفة، يبقى الحكم على صلاح المسودة المقترحة، وفسادها التشريعي، بمدى اتيانها، بنصوص تعالج ثغرات القانون السابق، وحاكمة لمشكلات قائمة، فهل قدمت المسودة نصوصًا تشريعية، تغلق الثغرات المتسببة، فيما تعانيه المهنة وأبناؤها والمجتمع؟ الإجابة لا.
الأدلة على ما ذهبت إليه كثيرة، سأعطيك مثالًا حيًا، قرار مالك جريدة التحرير الخاصة إغلاقها، وبالطبع إذا نفذ قراره، سيطيح بالعاملين بها من صحفيين، وفنيين، هل هذه هى الحالة الأولى التى يصدر فيها رجل مال، وسيلة إعلامية، ثم يغلقها؟ الإجابة لا، إذن هل نصت المسودة على مادة تحمى حق الزملاء فى مثل هذه الحالات، الإجابة لا، إذا هو قانون النعجة دولى المستنسخ من قوانين شاخت، فيجب أن ينص فى القانون القادم على مادة «يشترط لاستيفاء شروط صدور الصحيفة الورقية أو الالكترونية، تقديم خطاب ضمان لحساب نقابة الصحفيين، بما يعادل ٢٠٪ من قيمة رأس مال الصحيفة المنصوص عليه فى هذا القانون، للإيفاء بحقوق العاملين بها حال توقفها لأى سبب»، وبالتالى يكون قيمة خطاب الضمان ٦٠٠ ألف للصحيفة اليومية، و٢٠٠ ألف للأسبوعية، و٥٠ ألفاً للصحيفة الالكترونية، حيث ينص القانون على أن يكون رأس مال الصحيفة اليومية ٣ ملايين، والأسبوعية مليون والإلكترونية نصف مليون.
أزمة أخرى قائمة لم يقدم لها القانون حلاً، وهى أن إغلاق الكثير من الصحف، أدى لزيادة المعروض من الكفاءات فى مواجهة ضعف الطلب، فتشهد المهنة بطالة وتدن فى مستوى الأجور، ولمواجهة ذلك اقترح أن يتضمن القانون نصًا «يشترط فى الصحيفة طالبة الترخيص، ولاحتفاظ الصحف القائمة بحقها فى الصدور، ألا يزيد عدد المتدربين فى المطبوعة على ١٠٪ من إجمالى عدد العاملين بها من النقابيين».
ومثل هذا النص الذى اقترحه، من شأنه، أن يواجه اعتماد الصحف الناشئة، على عدد محدود من أعضاء النقابة، ثم جلب المئات من الشباب المتدرب، الذى لا يلتزم المالك أمامه لا بأجر ولا حماية، ما اسفر عن استشهاد ما يقرب من عشرة زملاء غير نقابيين، واكتفت الصحيفة بالمتاجرة بدمائهم، ميادة أشرف نموذجًا، إلى جانب ذلك يحقق هذا النص علاجًا لأزمة البطالة والأجور، حيث يخلق تنافسًا بين الصحف على استيفاء حاجتها من المحررين، النقابيين، ومن ثم ارتفاع أجور الكفاءات، وخلق فرص للمتعطل، فى الصحيفة الأقل أجرًا بعد أن يغادرها الصحفى لفرصة أخرى بأجر أعلى.
وهناك الكثير من المقترحات، بنصوص، تعالج أزمات الوضع الراهن، لا تتسع مساحة المقال لعرضها، والتى تجاهلها مشروع قانون لجنة الخمسين رغم أنها، تضم فى عضويتها أعضاء بالمجلس الأعلى للصحافة ومجلس نقابة الصحفيين، لذلك فهو مستنسخ مثل النعجة دولي، يولد هرمًا، لا يواكب تحديات الواقع والمستقبل، ويجب تعديله، وإلا ستفاجأ الجماعة الصحفية، بأنه يعانى امراض الشيخوخة، وعندها ستقرر لجنة الصياغة- لكن بعد ترك أعضائها مقاعدهم - إنهاء حياته، بأيديهم كما النعجة دولي، وربما لا يستطيعون الخلاص من آثاره حينها.. عفوا استاذنا صلاح عيسى فأنت كبيرنا الذى علمتنا المشاغبات.
وللحديث بقية






