أيمن عبد المجيد
هل يزرع العرب السلاح؟!
هل نحن العرب نزرع السلاح؟! هذا السؤال الساخر من الواقع المرير، يستدرك بسؤال آخر: هل داعش تملك مصانع سلاح، أو شركات مسجلة بالبورصات العالمية لتصدير النفط المنهوب؟! الإجابة: لا قطعا، سؤال آخر: هل ثمة علاقة بين قمة «الصين - إفريقيا» التى رفعت شعار «حل النزاعات الإفريقية بالطرق السلمية»، والصراع بين القوى العظمى بالشرق الأوسط وإفريقيا ؟! دعنا نبحث عن إجابات.
عرف الجوغرافى الكندى فيليب لوبيون، اقتصاد الحرب بأنه «نظام إنتاجى وتعبوى يعمل على توفير الموارد الاقتصادية لضمان استمرارية حالة العنف»، ويعرفه معظم الاقتصاديين بأنه «مجموعة من التدابير التى تتخذها دولة او مجموعة من الدول، لتحويل اقتصادها لخدمة الإنتاج الحربي».
هذا عندما كانت الدول العظمى تدفع فاتورة لحروبها، لكن الواقع يدفعنى للبحث عن مصطلح جديد لما يمكن أن نسمية اقتصاد صناعة الإرهاب، بعد أن باتت الدول العظمى تتربح مليارات من اشعال نيران الحروب، بالوكالة عبر شبكات إرهابية تديرها فى الخفاء، وندفع نحن العرب فواتير الحرب الوهمية ضدها بالعلن.
فالكلفة التى تتحملها الدول العظمى، لتوفير الموارد الاقتصادية لتحقيق إجراءات أمنية ومكافحة الجريمة الإرهابية، لا تقارن بما تجنيه من أرباح بيع السلاح للدول العربية والإفريقية، بل والتى تبيعه للمليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية عبر الدول الداعمة للإرهاب أو ما يسمى المعارضة المسلحة، فما أعنيه هنا هو الجانب الخفي، والأرباح التى تجنيها دول عظمى من صناعة الإرهاب.
نعم الإرهاب المتنامى فى الشرق الأوسط، خاصة ذلك التنظيم المسمى بداعش، ما هو إلا صناعة يقف خلفها مافيا مخابراتية، وأرباح خيالية، فإسقاط نظام صدام وتحويل العراق لدولة فاشلة، وساحة للتنظيمات الإرهابية، التكفيرية والفارسية، لم يكن سوء تصرف من أمريكا وحلفائها، كمال أن الترهل الدولى فى التصدى للتنظيم الإرهابي، ليس عجزا ولا فشل تنسيق، بل تواطؤ متعمد، خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، يستهدف إطالة أمد الحرب بالمنطقة، لتحقيق عدة أهداف بينها الأهداف الاقتصادية.
الأمر ليس شعورا بمؤامرة بل حقائق بالأرقام، فالمسئولون بكبرى شركات صناعة السلاح الأمريكية، صرحوا لوسائل إعلامية بداية الأسبوع الجاري، انهم أقروا ورديات لعمالة إضافية لتعمل المصانع على مدار 24 ساعة لملاحقة الطلب المتزايد على السلاح والذخيرة الأمريكية، ولضمان استمرار امدادات السلاح، وبالطبع استمرار امدادات السلاح للشرق الأوسط يعنى أن عليهم ضمان استمرار الحرب على داعش أى استمرار داعش قادرة على الحرب، وربما هذا يفسر قصف الأمريكان لمعسكر سورى بدعوى الخطأ، كما أن إلقاء السلاح بالطائرات فى أماكن سيطرة الإرهابيين من قبل تحت ذات المزاعم.
كما أن أمريكا زادت مبيعاتها من السلاح بنسبة 36% منذ بداية 2015، لتسجل بذلك مبيعات قيمتها 46.6 مليار دولار فى التسعة أشهر الأولى من العام الجارى والمرجح أن تصل إلى 60 مليارًا بنهاية العام، جزء من تلك الأسلحة دفعت ثمنها دول عربية لإمداد ما يسمى المعارضة السورية المسلحة، وفى المقابل دفعت إيران ثم جزء آخر من دول أوربية لإمداد بشار بخلاف الدعم الروسي، فكافة مصانع السلاح بمختلف أوربا تحقق أرباحا خيالية الآن.
هذا بخلاف سداد الكويت فواتير تحريرها، وسداد العراق ذاته فواتير السلاح الذى استخدمه الأمريكان وحلفاؤهم فى تدمير واسقاط بغداد، لعلكم تذكرون مؤامرة «النفط مقابل الغذاء» ثم نهب الأمريكان النفط والغذاء والآثار واحتياطات العراق من الذهب.
بالأمس القريب صرح فرانيك كندول رئيس قطاع المشتريات بوزارة الدفاع أن هناك طلبا قويا ومتزايدا على السلاح الأمريكي، خاصة صواريخ هليفاير، والتى يتراوح سعر الواحد منها ما بين 60 ألف دولار و100 ألف دولار، وهى الصواريخ التى يمكن إطلاقها من الطائرات الهليكوبتر، والسفن ضد المدرعات ولاختراق البنايات، تلك المليارات كانت كفيلة بالتنمية والإعمار!
فى الوقت ذاته، تسعى الصين لتوسيع نفوذها فى إفريقا، لكن بسياسات مختلفة شديدة الرقى والاحترام، عبر صناعة شراكات مع الدول، والاستفادة من الثروات الإفريقية فى صورة مادة خام وأسواق تصريف المنتجات الصينية، مقابل دعم جهود التنمية، فقد أعلنت الصين دعم التنمية فى إفريقيا الجمعة الماضية، عبر الاتحاد الإفريقى بـ60 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، وبالطبع تدرك الصين القوى الاقتصادية الثانية عالميا، مدى ربحيتها من التواجد فى فريقيا، فقد قفز حجم التبادل التجارى الصيني، البينى مع القارة الإفريقية الثانية على الكوكب من حيث المساحة وعدد السكان، إلى ما يقارب 300 مليار دولار بنهاية هذا العام، بعد أن كان 10 مليارات فقط عام 200، وقبل أن يصل 150 مليارا عام 2010، و222 مليارا 2014.
هذا النفوذ الصيني، المعتمد على التنمية والحل السلمى للنزاعات الإفريقية، يعنى تأثر المصالح الأمريكية سلبا، خاصة مجال صناعة السلاح، وقبل ذلك مناجم المواد الخام، بل والتواجد العسكري، فقد أعلن محمود على سفيان وزير الخارجية الجيبوتي، أن الصين ستمتلك قاعدة بحرية لوجستية فى جيبوتى قبل نهاية 2017، بهدف مكافحة القرصنة وضمان أمن باب المندب وحماية السفن الصينية ومصالحها الاقتصادية بالمنطقة.
بالطبع النفوذ الصينى سيواجه بتحركات أمريكية، كما تنافس الهند أيضا، لكن المؤكد أن الشعوب الإفريقية وحكوماتها ستنحاز لصالح من يحقق مصالح متبادلة لا من يصنع الحروب، والمؤكد أيضا أن إفريقيا باتت ساحة مفتوحة لصراع القوى، ومما لا شك فيه أن استعادة مصر لقوتها وريادتها، سيمكنها من تبنى مبادرات عربية إفريقية لتكامل اقتصادى للاستفادة المتبادلة مع الأشقاء، الذين يتاجر بدمائهم ويتصارع على ثرواتهم القوى العظمى.






