الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
زلزال المنيا بدأ فى الثمانينيات

زلزال المنيا بدأ فى الثمانينيات






لا يحدثنا أحد عن وأد الفتنة فى مهدها.. ولا يحدثنا أحد عن جلسات الصلح العرفية والأحضان الزائفة.. فالسيدة سعاد ثابت ليست مجرد سيدة قبطية أهينت وهتك عرضها على مرأى ومسمع قرية بأكملها.. فحقيقة الأمر أن السيدة الفاضلة سعاد ثابت هى بالأساس ابنة وأخت وأم وجدة مصرية عظيمة.. والسيدات المصريات الفضليات منذ بدء الخليقة لم يتعرضن لأى إهانة على مدى تاريخهن كله.. سواء فى الحضارة الفرعونية.. أو القبطية.. أو العربية، فالمرأة دائما فى منأى عن أى صراعات تحدث بين الرجال والرجال على مر العصور.
فالمرأة فى التراث المصرى لها قدسيتها.. ومكانتها الرفيعة.. فهى رمز البعث والخلود.. وهى أم رجال الحكم والملوك والأمراء والنبلاء.. ولا أحد يجرؤ على أن يمسها بسوء.. حتى إله الشر (ست) فى صراعه مع حورس وأمه إيزيس للاستيلاء على الحكم.. لم يمس إيزيس بسوء.. ورجال الصعيد منذ مئات السنين لم يتعرضوا للمرأة فى اعتى معارك الثأر وصراع العائلات الكبرى.. ولم تتعرض المرأة للانتقام أو التنكيل أو الإهانة.. فالمرأة تمثل العرض والشرف والعزة والكرامة.. ولا أحد يزج بها فى صراعات العائلات والقبائل حتى مع اختلاف الديانات.. إن هذه الثقافة الداعشية والمغولية والبربرية وافدة علينا ولم نشهد لها مثيلا من قبل.
ولكن هذه الحادثة البشعة لم تكن وليدة اليوم.. فقد نتذكر جميع أحداث المنيا وأبو قرقاص عام 1989 عندما فجرت سطوة الجماعات المتطرفة نيران الفتنة.. التى بدأت فى المنيا بشائعة أن شابًا مسيحيًا صاحب محل خردوات لديه جهاز فيديو فى شقة يصطحب فيه الفتيات ويعرض عليهن أفلامًا مخلة.. وبدأت فى أبوقرقاص.. بأن طالب بجامعة المنيا ابن المقدس سعد صاحب معصرة سمسم وتاجر غلال ميسور الحال.. وأن ابنه يمتلك سيارة خاصة يذهب بها إلى جامعة المنيا.. وأحيانا يركب معه بعض زملائه وزميلاته فى الجامعة ممن يقيمون فى أبى قرقاص.. واعتبرت الجماعات المتطرفة أن هذه جرائم ضد الإسلام.. فاختطفوا ابن المقدس سعد واحرقوا منزل تاجر الغلال وهاجموا المصنع والعائلة بكرات اللهب.. وقامت الدنيا ولم تقعد وامتدت الحرائق للكنائس والمنازل ثم المساجد فى أبو قرقاص.
وفى المنيا زاد الأمر احتقانا.. فى كل أرجاء المدينة.. وذهبت فى تلك الأيام لأحقق وابحث عن الحقيقة.. وأمضيت ثلاثة أيام بين المنيا وأبوقرقاص.. واذكر أننى حجزت غرفة فى فندق (سفير إيتاب) ولم أدخلها إلا لتغيير ثيابى فقط.. فالأمر استدعى بقائى مستيقظا على مدى ثلاثة أيام وسط الأحداث.. حتى عدت للقاهرة أحمل أوراقا وصورا كثيرة للأحداث والحرائق والمصابين.. نشرها رئيس التحرير آنذاك الأستاذ مفيد فوزى على الغلاف.. وكان عنوان التحقيق: (سبعة أوجه للحقيقة فى أحداث أبوقرقاص والمنيا).. واختتمت التحقيق بعنوان: (الحقيقة الثامنة الغائبة).. وكانت الحقائق السبع هى مشاهداتى وصورى وحواراتى مع جميع الأطراف كما يرونها من زاويتهم: وبدأت بأمراء الجماعات الإسلامية.. الذين كانوا أصحاب السلطة الحقيقية هناك فى ذلك الوقت.. ثم التقيت بمن وقعت عليهم الاعتداءات من الطرفين.. ثم التقيت راعى الكنيسة فى المنيا وأبوقرقاص.. ثم برئيس الجمعية الشرعية للسنة المحمدية.. ثم بالطلاب زملاء ابن المقدس سعد المخطوف.. وبصاحب محل الخردوات.. وانتهيت بلقاء السيد المحافظ ومدير الأمن وعدد من ضباط الشرطة.
وكل طرف من أصحاب الحقائق السبع كان لديه مبرراته وأسبابه فى اشتعال الفتنة.. أما الحقيقة الغائبة التى ذكرها لى المواطنون العاديون.. أن الجماعات المتطرفة وراء كل هذه الكوارث.. فهى التى كانت تحكم الشارع فى المنيا وأبوقرقاص وأن أمير الجماعة يلجأ إليه المسلم والمسيحى عند وقوع أى مشاكل أو مشاحنات.. وكان أمير الجماعة يحكم بينهم (بما لا يخالف شرع الله!).. بل ويصل الأمر للجلد وإقامة الحد وفرض الغرامات على المخطئين على قارعة الطريق.. وعندما سألت المحافظ نفى ذلك.. وكذلك مدير الأمن.. ولكن عددًا من الضباط قال لى: (لا تذكر اسمى).. ولكن للأسف هذا يحدث أحيانا أننا نتلقى تهديدات بخطف أولادنا وزوجاتنا لو تدخلنا.. لذلك تفاقمت الأمور وتوحشت ثقافة التطرف.. وتغولت الجماعات المتطرفة.. وأحكمت قبضتها على المنيا التى صارت معقلا للتطرف.
وعندما قدمت التحقيق لرئيس التحرير قال لى الأستاذ مفيد أسمح لى بإضافة ثلاث كلمات.. فضحكت وقلت له بالتأكيد.. فأضاف مفيد فوزى هذه الجملة: «هذا التحقيق مهدى إلى وزير الداخلية».. وكان اللواء عبدالحليم موسى هو الوزير آنذاك..  ونشر هذا التحقيق بالكامل.. وفى نفس يوم نشره أبلغنى الأستاذ مفيد أن وزير الداخلية أقال فى الخامسة عصرا مدير أمن المنيا وعددًا من قيادات الشرطة بالمنيا وأبو قرقاص.. ولكن هذا لم يعالج الأمر فتغول الجماعات المتطرفة ظل قائما، فمازالوا يمارسون شريعة الغاب إذا تراخت القبضة الأمنية، فلا رادع لهم الا القانون.. فإذا لم يطبق القانون على الجميع فافعل ما شئت!