الأربعاء 17 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الجمهورية الجديدة والعلاقات   المصرية - الإفريقية

الجمهورية الجديدة والعلاقات المصرية - الإفريقية

القارة الإفريقية التى يبلغ مساحتها نحو 30.3 مليون كم2 ويقطنها نحو 1.5 مليار نسمة، معظمهم من الشباب القادر على العمل، تعد ظهيرًا مهمًا وحيويًا تستطيع مصر من خلاله تحقيق أمنها الإنسانى والقومى بكل أبعاده وتتسم العلاقات المصرية- الإفريقية بأنها ضاربة بجذورها فى عمق التاريخ، وكطبيعة العلاقات الدولية، تتراوح بين معدلات القوة والضعف، وفق متغيرات محلية وقارية، نابعة من اهتمامات وتوجهات الدول الإفريقية، أو انشغال مصر فى بعض الأمور الداخلية وأولويات تنموية. 



ومرت العلاقات المصرية- الإفريقية بفترة من الضعف نتيجة انشغال مصر فى حروب 48 و56 وحرب الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر المجيدة التى قطعت خلالها معظم الدول الإفريقية علاقاتها مع إسرائيل دعمًا للموقف المصرى، لتصاب العلاقات بنوع من الفتور بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك فى أديس أبابا 1995، بيد أن العلاقات تباينت من حيث درجة قوتها وضعفها مع الدول الإفريقية حتى تنحّى الرئيس مبارك عن الحكم فى بدايات عام 2011، وقد بلغت العلاقات المصرية- الإفريقية ذروة قوتها فى ستينيات القرن العشرين، مع بدايات حركات التحرر التى دعمتها مصر بقوة، إذ تعد مصر بحق عاصمة التحرر الإفريقى، فكان الزعيم جمال عبدالناصر بطلًا إفريقيًا ارتبط اسمه بتحرير الدول الإفريقية من الاستعمار، والمشاركة فى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، الاتحاد الإفريقى حاليًا.

وبالنظر إلى القارة نجدها تتمتع بخصائص تميزها عن سائر قارات العالم الأخرى، فإفريقيا تضم 55 دولة، وتشكل كتلة تصويتية كبيرة لا يستهان بها فى المحافل الدولية، كمنظمات الأمم المتحدة، علاوة على أنها تتمتع بثروة بشرية ضخمة وقوى عاملة وفيرة، مما يجعلها بمثابة سوق واعدة للعالم بأسره.

 كما تتميز قارتنا الأم ببيئة سياحية لا مثيل لها، ففيها الجبال، والهضاب، والبحار، والبحيرات، والنباتات الطبيعية، والحيوانات البرية المتنوعة والصحراوات وغيرها.

 كما تضم القارة مساحات شاسعة من المراعى، مما يجعلها القارة الأغنى من حيث الثروة الحيوانية، وتضم أيضًا مساحات شاسعة من الأراضى الصالحة والقابلة للزراعة. يضاف إلى ذلك كله غنى القارة بأهم مقومات الصناعة مثل: المواد الخام والأيدى العاملة والسوق.

 وتكتنز القارة فى باطنها معادن نفيسة لا توجد فى غيرها، ومن أهم هذه المعادن: «الماس، والذهب، والنحاس، والفحم، والبترول، والغاز الطبيعى، والفوسفات، والقصدير، واليورانيوم» وغيرها.

ومع ثورة يونيو المجيدة بدأت مرحلة جديدة من العلاقات المصرية الإفريقية، ما يسمى بالدبلوماسية الشعبية، خاصة مع دول حوض النيل التى استغلت التوترات الداخلية، التى أعقبت أحداث ما سمى بثورة يناير، فبدأت فى تنفيذ مشروعات ضخمة على منابع النيل، مما يؤثر على حصة مصر المائية التى حافظت عليها الدولة المصرية على مدار التاريخ.

 وبعد استعادة مصر هويتها وتصحيح مسارها فى 30 يونيو 2013، ووقوف جيشنا العظيم وشرطتنا الباسلة إلى جانب إرادة الشعب المصرى الأبى وعودة مصر إلى المصريين وإنقاذها من الجماعة التى أرادت أن تبتلعها، واجهت دولة 30 يونيو أول التحديات، قرار تجميد الاتحاد الإفريقى عضوية مصر.

 من وجهة نظرى لم يكن قادة الاتحاد الإفريقى آنذاك على علم كامل بحجم المؤامرة التى تواجهها مصر، وحجم الهجمة الشرسة لإعاقة ثورتها وتشويه حقيقتها، بيد أن مصر استطاعت اجتياز فترتها الانتقالية، وتولى السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى مقاليد الأمور فى مصر، بإرادة شعبية عكستها الانتخابات الرئاسية التى شهدها العالم، ليصوب الاتحاد الإفريقى قراره بعد أن اتضحت له حقيقة ما جرى فى مصر، من ثورة شعبية وما أعقبها من استحقاقات دستورية وانتخابية. وما هى إلا سنوات معدودات، حتى ترأس الرئيس عبدالفتاح السيسى الاتحاد الإفريقى، وإن دل ذلك فإنما يدل على مكانة مصر وقيادتها على الصعيد الإفريقى، وقدرة دبلوماسية دولة 30 يونيو على استعادة مكانة مصر الريادية، التى تناسب قدراتها ومكانتها.

فى السنوات الماضية التى تولى فيها فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى مقاليد الأمور فى مصر، شهدت العلاقات المصرية الخارجية نجاحات وتناميًا ملحوظًا، وفى القلب منها دائرة العلاقات الإفريقية، بالتوازى مع الإنجازات المتحققة على طريق بناء الجمهورية الجديدة. وتعكس زيارات الرئيس عبدالفتاح السيسى الخارجية لدول القارة الإفريقية إيمانه الشديد بأهمية الدائرة الإفريقية للأمن القومى المصرى، واستطاع استغلال إمكانيات الدولة المصرية وقدراتها الدبلوماسية فى إعادة العلاقات المصرية- الإفريقية إلى فترات ذهبية لا يزال الأفارقة يذكرونها وأهمها ستينيات القرن العشرين، كما أسلفنا.

فعندما تتحدث فى المحافل العلمية أو تتناقش مع المتخصصين فى الشأن الإفريقى، خاصة فى الدول التى مرت بحركات تحرر «قوية» وفترات طويلة من الكفاح ضد المستعمر، لا بد من أن تتذكر كيف كانت مصر عاصمة لحركات التحرر الإفريقية، وبعد تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكم استطاعت الدولة المصرية، أن تستعيد دورها الفاعل والمؤثر على كل الأصعدة، وكما دعمت مصر ثورات التحرر ضد الاستعمار المادى، تدعم إفريقيا للتحرر من الاستعمار المعنوى، فتقود الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى الدول الإفريقية فى معركة هى الأخطر، معركة التنمية للتحرر من الفقر والجهل والمرض، معركة ضد استعمار «التخلف». 

ويتضح ذلك من الاستراتيجية الإفريقية الجديدة، التى طرحتها الدولة المصرية للتعامل مع دول العالم، من أجل تحقيق الأمن الإنسانى بأبعاده المختلفة كتوفير الغذاء والماء والأمان والرعاية الصحية وصون البيئة والأمن الاقتصادى، بالإضافة إلى تحقيق الاستقرار. 

وأهم سمات هذه الاستراتيجية أن نكون شركاء، لا تابعين للدول المستعمرة، أى الشراكة بدلًا من التبعية، وأن التكامل والتعاون بين دول القارة يحل محل التنافس أو الصراعات فى حل مشكلات القارة، وأن الأفارقة هم القادرون وحدهم على حل مشاكلهم، (حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية). بالإضافة إلى اتباع سياسة الندية مع المجتمع الدولى ورفض تهميش الدول الإفريقية. وقد أكد الرئيس السيسى على هذه الاستراتيجية التى تعتمد على الشراكة والتعاون والتكامل والندية، فى زياراته الخارجية للدول الكبرى، وفى قمم الصين- إفريقيا واليابان- إفريقيا، وروسيا- إفريقيا، ومع مجموعة السبع الكبار وغيرها فى كل المحافل الدولية، التى تحدث فيها عن القارة الإفريقية. 

وأصبحت العلاقات المصرية- الإفريقية بفضل السياسة الحكيمة التى انتهجها السيد الرئيس خلال السنوات الماضية أكثر قوة ومتانة. وكان التوافق المصرى- الإفريقى على أهمية الحفاظ على العلاقات وتعميق صور التواجد للطرفين، وهو ما يمكن أن يقدم أسسًا لعلاقات أكثر عمقًا خاصة فى دول حوض النيل ودول وسط القارة ودول غرب القارة، بالإضافة إلى دول القرن الإفريقى، وهى مناطق تشكل محاور للأمن القومى المصرى، وعليه بات هناك إدراك إفريقى بأهمية الدور المصرى وثقل مصر الدولى، ولذا نرى كثافة الوجود الإفريقى فى مصر، وكثافة الزيارات المصرية إلى دول القارة. ولقد حددت مصر، منذ أن تولى الرئيس السيسى الحكم، مجموعة من الأولويات من أجل نمو وازدهار القارة الإفريقية، ومن أهم هذه الأولويات التمسك بالمثل العليا للوحدة الإفريقية ومواثيق الاتحاد الإفريقى من حيث التكامل بين دولها وقدراتها وأهدافها ووضع خارطة طريق تهدف إلى تحقيق الرفاهية للشعوب الإفريقية، كما تهدف إلى تحقيق الأمن وانتشار السلم والقضاء على الفقر والصراعات القبلية. وتهدف أيضًا إلى الحفاظ على التراث والهوية الثقافية للشعوب الإفريقية.

 وسخّرت مصر كل إمكانياتها لتحقيق النهوض بالقارة، وظهر ذلك فى توجيهات السيد الرئيس المستمرة، حيث وجه بتوسيع دائرة التعاون مع الأفارقة، وقيادة مسار التنمية المستدامة بالقارة، ونقل التجارب والخبرات المصرية للدول الإفريقية.