محمد بغدادي
تجديد الخطاب الثقافى
فى ملتقى ثقافى دولى نعتقد أنه الأوسع والأنجح منذ ثورة يناير 2010 اجتمع أكثر من مائة وأربعين مفكرا وكاتبا ومبدعا وباحثا من خيرة النخب والخبراء المتخصصين من مثقفى 17 دولة عربية وأجنبية.. على مدى ثلاثة أيام بالقاهرة.. تحت رعاية وتوجيه الكاتب الصحفى حلمى النمنم.. وبدعوة من الدكتورة أمل الصبان أمين عام المجلس الأعلى للثقافة.. ورئيسة اللجنة العلمية المنظمة للملتقى.
ويأتى هذا الملتقى تأكيدا لضرورة ملحة لطرح خطاب ثقافى جديد يمكن من خلاله مواجهة التحديات التى تمر بها المنطقة العربية.. وأهمية دور الثقافة والمثقفين كخط دفاع أول فى خندق المواجهة ضد الهجمة الشرسة من أصحاب الحركات الظلامية والإرهابية.. ولأن المجلس الأعلى للثقافة أصبح بيتا آمنا للمثقفين العرب.. يجتمعون تحت مظلته لمناقشة قضاياهم بحرية كاملة.. فقد عكف المجلس الأعلى للثقافة منذ عدة شهور على الإعداد لملتقى دولى كبير يتناول قضايا تجديد الخطاب الثقافى على اختلاف مستوياته.. وطرح رؤى بديلة لتفكيك بنية الفكر الإرهابى.. ومواجهة المتطرفين الذين يصرون على إعادتنا إلى كهوف الظلام السحيقة.. حيث قدم المثقفون العرب والأجانب المشاركون فى الملتقى على مدى ثلاثة أيام أكثر من مائة بحثا وورقة عمل.. وشارك أكثر من أربعين باحثا فى ثلاثة ورش عمل حول محاور الملتقى الثلاثة، ولعل الجلسة الافتتاحية كانت بمثابة إعلان لمبادئ عامة لرؤية جديدة حول عنوان الملتقى وهو «تجديد الخطاب الثقافى».
حيث قال حلمى النمنم أنه حينما فكرنا فى عقد هذا الملتقى.. كان التصور الأول هو أن يكون لتجديد الخطاب الديني.. ومن ثم فكرنا أن الخطاب الدينى هو جزء من المكون الثقافى للشعوب العربية.. وبالتالى فإن الهدف من عقد هذا الملتقى يتمثل فى البحث عن حلول لما نعيشه فى عالمنا العربى من أزمات.. فآلمنا كثيرا حينما قال النمنم أنا من جيل تربينا على أن الأزمة الأولى فى عالمنا العربى هى القضية الفلسطينية.. ولكن للأسف كبرنا وهرمنا ولم تحل القضية الفلسطينية.. وللأسف هناك مظاهرات قامت منذ أيام فى فلسطين المحتلة من عرب 1948 الذين يعيشون داخل إسرائيل يطالبون بتغيير اسم أحد الشوارع من شارع «محمود درويش» إلى شارع «الخلفاء»!! ومن شارع باسم «أم كلثوم» إلى شارع باسم آخر.. ثم توالت الأزمات ومنها أزمة الأجنبى القادم لنا بالحرية مثل ما حدث فى العراق ولم تأت الحرية.. وأضيف عليها أزمة مدرسة الموت والانتحار.. ولم يبق لنا إلا الثقافة العربية.. ومن هنا جاء عنوان هذا الملتقى.
حيث جاءت كلمة الدكتور عز الدين مهيوبى وزير الثقافة الجزائري.. كورقة عمل للملتقى.. حيث أكد.. أننا إذا أردنا أن نعمل على تجديد الخطاب الثقافى فعلينا أولاً ندرك إلى أى مدى قد وصل عجزنا فى فك شفرة المستقبل.. فانغمسنا فى الماضى بكل ظلماته وتخلفه.. ولم ننجح فى التخلص من الخواء الفكرى والمعرفي.. وأغفلنا الحق فى الحرية والخلق والابتكار.. مؤكدًا أن أى أمة لم تجعل الثقافة والفكر والإبداع على قائمة أولوياتها تنهار على الفور.
وقدمت د. أمل الصبان رؤية متكاملة من خلال كلمتها الوافية عندما دعت لوضع استراتيجيات لتجديد الخطاب الثقافى.. وضرورة ممارسة فضيلة النقد الذاتى.. واستلهام تجارب الغير وليس استيرادها جاهزة لصياغة رؤية متقدمة لسياسات ثقافية تكرّس قيم الاستنارة والانفتاح على ثقافات العالم.. فى بيئة ثقافية تعانى من غياب فكرة التنمية ومن انتشار ثقافة العنف والجنس وإدمان المخدرات.. فنحن نطمح من خلال الخطاب الجديد إلى تحقيق:
■ ثقافة الإنتاج فى مواجهة ثقافة الاستهلاك.
■ ثقافة العلم فى مواجهة ثقافة الخرافة.
■ ثقافة التسامح فى مواجهة ثقافة التعصب.
■ ثقافة الشجاعة فى مواجهة ثقافة الخوف.
■ ثقافة الإبداع فى مواجهة ثقافة التقليد.
■ ثقافة التقدم فى مواجهة ثقافة التخلف.
■ ثقافة الحوار فى مواجهة ثقافة الصدام.
■ ثقافة النقد والمساءلة فى مواجهة ثقافة التبرير وتثبيت الوضع القائم.
< ثقافة المسئولية فى مواجهة ثقافة اللامبالاة.
< ثقافة الاستقلال فى مواجهة ثقافة التبعية.
ومن هذا المؤتمر نخلص إلى أنه ليس على المثقفين دور كبير فى تغيير أنماط الثقافة السائدة.. من خلال الإنتاج الثقافى فحسب.. بل عليهم أيضاً وضع سياسات ثقافية جديدة قادرة على استيعاب طموحهم نحو التغيير.. وهذا ما عالجته الأوراق البحثية التى طرحت فى هذا الملتقى من خلال محاور بالغة الأهمية: فمن «الثقافة والإصلاح التشريعي».. إلى «حقوق المواطن الثقافية والعلمية».. ومن «الصناعات الثقافية الإبداعية».. إلى «الثقافة والتعليم» و«الجغرافيا الثقافية» و«إدارة العمل الثقافى وإشكالياته».. و«دور التكنولوجيا فى تجديد الخطاب الثقافى».. إنه مؤتمر يجب على الحكومات العربية (التى مازالت على قيد الحياة) أن تأخذ توصياته المهمة وتجعله دستورا ثقافيا لها حتى يتسنى لها أن تخرج سالمة من أزمتها الطاحنة!






