الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
لا يحق لكم إهانة المصريين!

لا يحق لكم إهانة المصريين!






كرهتمونا فى التليفزيون فى الشهر الكريم.. فشهر رمضان الذى ننتظره بلهفة كل عام.. تحول بفضل تجارة الإعلانات إلى سبوبة سنوية بغيضة.. تدر الملايين والمليارات.. على أصحاب شركات الإعلانات والمستشفيات.. ومشاريع الجوع والشحاتة والاستجداء والابتزاز المهين.. فجميع القنوات تهاجمنا بسيل من الإعلانات المتواصلة بلا توقف طوال الليل والنهار.. وكأن هناك ماسورة إعلانات انفجرت فى وجوهنا.. فلا نحن بقادرين على أن نستمتع بالشهر الفضيل.. ولا بطعامنا ولا شرابنا.. ولا الأصحاء منا مستمتعين بصحتهم.. ولا المرضى مطمئنين على شفائهم أيضا.. فالأصحاء هناك من ينغص عليهم عيشتهم ويحسدهم عليها.. ويذكرهم كل لحظة بأن نصف الشعب المصرى مريض بالسرطان والعياذ بالله والقلب وبالكبد والضغط والسكر والشلل الرباعى والشلل الرعاش.. أما المرضى فيعيشون فى رعب دائم.. ففى كل لحظة يشعرون بأنهم سيغادرون الحياة فورًا لو لم يضع المصريون فى عيونهم حصوة ملح ويتبرعون لهم بمصاريف العلاج وتشييد المستشفيات.
ولا يحلو لهذه الحملات الإعلانية الشرسة إلا فى لحظة الإفطار بالتحديد.. ما يذكرنى بالمتسولين الذين يرابطون بجوار المطاعم وبائعى السندويتشات.. وكلما شاهدوا زبونًا يقضم أول قضمة من السندويتش حتى يهاجمه المتسول المحترف وينظر لطعامه بمسكنة وتلهف ويقول له: «جعان يابيه إنشالله يخليلك الهانم والبيه الصغير مكلتش بقالى يومين».. وطبعًا سيادتك لا تملك سوى حل من اثنين.. إما أن تعطيه السندويتش الذى بيدك وتتخلص من أم نظرته التى سممت عليك اللقمة.. أو تعطيه كل ما فى جيبك ليشترى له سندويتشا.. رغم أنك لو أعطيته ما معك من طعام سيتوجه لأقرب صندوق قمامة ويلقيه فيه لأنه ليس بجائع ولا يحزنون ولكنه يبتزك فى لحظة ضعف إنساني.. وهذا مجرب وحدث آلاف المرات أن ألقى المتسولون بالطعام فى القمامة لأنه يريد المال ولا يريد الطعام!
وكيف يُسْمَح بإذاعة هذه الإعلانات بهذه الكثافة والإلحاح طوال شهر رمضان خاصة مسلسل المرض والفقر وقلة الكساء والجوع المقزز.. الذى يظهر الشعب المصرى بهذه الصورة المزرية.. وكأننا مرضى نتسول العلاج من الميسورين.. عرايا نستجدى كسوة العيد من إحسانات الناس بملابسهم القديمة.. وجوعى نأكل من الزبالة.. والأطفال يتبادلون أيام الطعام.. يوم لك ويوم لأخيك.. والطفل الذى يربط حجرا على بطنه من شدة الجوع انتظارًا للغد حين يأتى دوره فى الحصول على طعام ضئيل.
والشعب المصرى صاحب الحكمة والكرم هو الذى أطلق منذ آلاف السنين هذه المأثورات الشعبية: (محدش بيبات من غير عشا).. (ربك بيرزق الدود فى الحجر).. (ربنا ما بينساش حد).. (العبد فى التفكير والرب فى التدبير).. ويقول عز وجل فى كتابه العزيز: «وَفِى السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ».. فكيف يتم تصوير الشعب المصرى بهذه الصور البشعة من أجل حفنة أموال! وكأننا مجموعة من المرضى الذين لا يجدون العلاج.. أو مجموعة من الجائعين الذين ينبشون فى القمامة بحثًا عن لقمة عيش.. أو أننا مجموعة من المتسولين.. وكأننا شعب فقد كرامته وعزته وقبل على نفسه الإهانة والذل والمسكنة.. أمام العالم أجمع.. وكأننا شعب غير منتج لا يحب أن يعمل.. وأن كل طاقته وموهبته اختزلت فى الاستجداء والتسول والشحاتة.. إنها صورة سلبية ومقززة للشعب الذى رفض الهزيمة فى 1967.. وضحى بقوت يومه للمجهود الحربى وإعادة بناء جيشه.. وقهر المستحيل وانتصر في1973.. ورفض الظلم والاستبداد فى 25 يناير 2011.. وعاد ورفض الحكم الإرهابى الفاشى فى 30 يونيو 2013.
إن شعبًا بهذا التاريخ العريق لا يستحق ولا يجوز إهانته بمثل هذه الصورة.. وليس من المقبول ولا من المستساغ ولا من الإنصاف أن يصور الشعب المصرى أمام العالم كله بهذه الصورة المهينة.. فهذا إسفاف وابتزاز لمشاعر الناس.. خاصة أن تكلفة هذه الإعلانات خلال شهر رمضان تتجاوز مئات الملايين.. فكيف بالله عليكم تلقون بهذه الملايين فى الإعلانات وأنتم تطلبون التبرع (!!).. أليس من الأجدى أن توفروا هذه الأموال وتشيدون بها المستشفيات.. وتعالجون بها المرضي.. وتكسون بها العرايا وتطعمون بها الجائعين.. بلا فضائح على الهواء مباشرة.. أم أن ابتزازكم يجلب عليكم أضعافًا مضعفة مما تنفقونه على الإعلانات؟
فقد علمت من مصدر موثوق فيه أن حملة إعلانات أحد المستشفيات الشهيرة.. بلغت خلال شهر رمضان 200 مليون جنيه.. ما بين تكلفة إنتاج.. وأجور نجوم الفنانين.. وحقوق البث طوال الأوقات المميزة على جميع الفضائيات.. وبهذه الكثافة.. وكأننا نشاهد (مسلسل الإعلانات) بفواصل من الدراما (!!).. ماذا تبقى لنا من الكرامة وعزة النفس.. اتقوا الله فى شعب مصر الذى فضحتموه بين الأمم وفرجتوا علينا العالم أجمع.. الله يفضحكم يا بعدا فضيحة حرامى أحذية فى جامع.. كما فضحتوا الشعب المسكين فى الشهر الفضيل.