محمد بغدادي
فوضى الإعلانات.. والعبث بالتراث
لست أدرى هل هان علينا كل شىء.. أم أن هناك جيلاً مفلساً.. من مخرجى ومنتجى الإعلانات ليس لديه الموهبة الكافية لاقتباس المزيد من أفكار الإعلانات الأجنبية كما كان يفعل الجيل الذى سبقه.. فغابت عنه الخبرة والموهبة.. ولم يجد أمامه سوى السطو على تراثنا الغنائى.. وتحويله إلى مسخ مشوه للإعلان عن سلع غريبة.. بعبارات بذيئة.. وإيحاءات مبتذلة.. دون حياء.. أو إحساس بوخزة ضمير.. ولا أدنى شعور بالمسئولية بأن تراثنا الغنائى له حرمة.. فهو جزء من تاريخ أمة بأكملها.. فكل شعوب العالم تعتز وتفخر بأن لديها ما تعتز به.. وما تباهى به الأمم.. ونحن نمتلك تراثا غنائيا يمثل مساحة زمنية من تاريخ الأغنية المصرية لا يستهان بها.. تربت عليه أربعة أجيال على الأقل.. وتكوَّن خلالها وجدانهم القومى والوطنى.. وارتقت ذائقة هذه الأجيال فنيا عبر سنوات من عطاء الشعراء والملحنين والمطربين.. ونما لديهم الإحساس بالتميز.. والشعور بالانتماء والولاء الوطنى.. نتيجة تعاطى هذا النوع الراقى من الفنون رفيعة المستوى.
ولكن عبر العقود الأربعة الماضية.. جاء من أفسد الذائقة الفنية للشعب المصرى تحت دعوى التطوير.. ومجاراة العصر.. وانطلقت يد التخريب والتدمير بشكل ممنهج.. لكل ما هو جميل سواء فى الغناء.. أو الموسيقى.. أو الأداء.. وظهر مطربون لا يصلحون للغناء فى حمامات منازلهم الخاصة.. فمنهم من انحشر فى حلقومهم بيضة مسلوقة.. ومنهم من لا يجيد سوى الجعير.. ومنهم من يجيد النهيق.. وانتشر وباء الموسيقيين الذين لا يعرفون شكل النوتة الموسيقية.. ولا يجيدون قراءتها ولا كتابتها.. وكانوا فى الأصل (مُنَجِّدِّين).. وفجأة ادعوا بأنهم مؤلفون موسيقيون.. وظهرت طائفة من كتاب الأغانى الهابطة أجادوا سرقة الانساق والموازين الشعرية لكبار الشعراء.. وأجادوا سرقة أشكال وطرق الكتابة.. ولكن بلا خبرة.. ولا صدق.. ولا إحساس.. ولا موهبة.. وهذه الأجيال الرديئة دمرت أذواق أجيال بأكملها.. وأصبحت العملة الرديئة للأسف هى التى تطرد العملة الجيدة.. وبفضل هؤلاء المرتزقة هبط الغناء.. واندثرت الأغنية المصرية والعربية.. ووقعنا جميعا أسرى هؤلاء المفسدين لكل ما هو جميل.. وامتدت يد المخربين ليدمروا شكل السينما والمسرح.. بل والطرز المعمارية.. وغاب التنسيق الحضارى.. وانهار كل شىء جميل.
لم يتركوا لنا أغانينا ولا مبانينا القديمة ولا افلامنا ولا مسارحنا.. وانتشرت ظاهرة السطو على الأغانى الجميلة التى تربينا عليها وارتقت بمشاعرنا ووجداننا.. وبدأوا فى تبديل الكلمات بعبارات مبتذلة للترويج لسلع لا يليق بشعب محترم أن يستمع إليها.. فاستخدموا أغنية (سواح) للشاعر الغنائى الكبير والصديق الراحل محمد حمزة.. التى لحنها الموسيقار العبقرى بليغ حمدي.. وتغنى بها الفنان الجميل عبد الحليم حافظ.. وفجأة تتحول هذه الأغنية للإعلان عن ملابس داخلية بعبارات مبتذلة.. أما أوبريت (الليلة الكبيرة) الذى كتبه أمير شعراء العامية الفنان صلاح جاهين ولحنها الرائع سيد مكاوى.. وأخرجها لمسرح العرائس المخرج العبقرى صلاح السقا.. وصمم عرائس الأوبريت الفنان ناجى شاكر.. وتغنى بها جيل من المطربين العظماء على رأسهم سيد مكاوى.. شفيق جلال.. عبده السروجى.. محمد رشدى.. حورية حسن.. إسماعيل شبانة.. وشافية أحمد.. وفجأة (!!) مع احترامى الكامل لكل من شارك فى هذا الإعلان من الفنانين المحبوبين.. إلا أنهم ساهموا جميعا فى تشويه تراث لا مثيل له مثل الليلة الكبيرة.
وخطورة هذه الجريمة أن هناك أجيالاً بأكملها ستنسى أن هناك أوبريت للأطفال وللكبار اسمه (الليلة الكبيرة).. حصل على أكبر عدد من الجوائز العالمية فى تاريخ مسرح العرائس فى العالم فى أكبر المهرجانات العالمية للعرائس فى ستينيات القرن الماضى.. وسيتبقى بل وسيستقر فى وجدان هذه الأجيال الجديدة أنها مجرد استعراض إعلانى عن إحدى شركات التليفونات المحمولة.. وما كل هذا العبث (!!).. ومن أعطى كل هؤلاء حقوق الملكية الفكرية للسطو على تراثنا الغنائى والموسيقى.. ومن قبل استولوا على ألحان وكلمات أغنية (أهواك) لعبد الحليم حافظ.. ومن قبل.. ومن قبل.. وهكذا إلى آخر هذه المهازل وهذا العبث.. لقد زرت بلداناً.. كثيرة وقرأت عن بلدان أكثر ولكنى لم أر فى حياتى.. ولم اسمع عن أن هناك شعباً ما يستخف هذا الاستخفاف بتراثه وتاريخه الفنى.. بل إن كل شعوب العالم تفخر وتعتز بتراثها.. وتعتبره من المقدسات.. ولا تسمح لأحد كائناً من كان أن يعبث بتراثها.
من فضلكم اتركوا لنا أغانينا.. وكفاكم عبثا بتراثنا الغنائى.. ويكفى فوضى الإعلانات المبتذلة التى تعيشون فيها.. وفرضتموها علينا بالقوة عبر موسم رمضان حيث أعلى نسبة مشاهدة.. اتقوا الله فى الأجيال التى لا تعلم شيئا عن عظمة هذه الأمة.. وارحمونا يرحمكم الله.






