السبت 20 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الإرهاب.. من نيس إلى أنقرة!

الإرهاب.. من نيس إلى أنقرة!






تمر الأحداث سريعا.. لا أحد يستطيع أن يلاحقها.. لا الكاميرات.. ولا أعتى القنوات الإخبارية التليفزيونية.. ولا وكالات الأنباء العريقة.. ولا المحللين السياسيين.. فما بين حادث الشاحنة التى دهست الأطفال الأبرياء والمصطافين الفرنسيين فى نيس فيما كانوا يحتفلون بالعيد الوطنى الفرنسي.. وبين انقلاب الجيش التركى (المحدود) على رجب طيب أردوغان وحكومته وحزبه.. الذى وقع مساء الجمعة الماضية.. تتلاحق الأحداث.. ولا تكاد تسمع خبراً ما.. وقبل ان تصدقه وتتعامل معه على أنه حقيقة مؤكدة.. سرعان ما يحدث ما ينفيه أو يكذبه.. أو يحدث رد فعل مضاد يحول الخبر إلى ماض.
ويبدو أن هذه هى طبيعة المرحلة التى يعيشها العالم الآن.. ففى الظاهر تبدو الحوادث صادمة ومفاجئة.. تنزل على الرأى العام العالمى كالصواعق والزلازل والبراكين.. ولكن قبل أن يفيق العالم من الصدمة.. تكتشف وكأن هناك أصابع خفية تدوس على أزرار لينطلق الحدث من هنا إلى هناك.. وكأن الحدث نفسه ليس هو الهدف.. ولكن النتائج المترتبة على هذا الحدث هى الهدف الذى لم ينتبه إليه العالم.. وكأن هناك أجهزة مخابرات دول كبرى تتعاون فيما بينها.. لتدفع بالعالم إلى أن يتخذ قرارات مصيرية وجذرية معينة.. تأخذ شعوب العالم إلى اتجاهات معينة.
ففى حادثة نيس.. كان قائد الشاحنة التونسى الأصل.. الفرنسى الجنسية.. من مواطنى مدينة نيس ويعيش فيها هو وأسرته.. ومعروف لدى شرطة المدينة الفرنسية بنشاطه الإجرامى كالسرقة وإدمان المخدرات ولم يعثر له على أى دلائل لعلاقته بالتنظيمات الإرهابية.. ولم تعلن أى منظمة متطرفة أو إرهابية مسئوليتها عن الحادث طوال أربعة أيام تالية على الحادث الإجرامى الذى ارتكبه هذا المعتوه.. وفجأة وبعد انقلاب تركيا بقليل أعلن تنظيم داعش مسئوليته عن الحادث!! وتزايدت الأصوات المطالبة بطرد المواطنين الفرنسيين والأوروبيين الذين ينحدرون من أصول عربية أو من المسلمين أيا كانت جنسياتهم.. بل إن هناك حوادث ــ حتى إن كانت فردية ــ للهجوم على سائحين مغاربة كانوا بالصدفة فى زيارة نيس.. وأصبح الزى الإسلامى مستهدفًا ومهاجمًا بعنف مثل: (الحجاب.. أو النقاب.. أو الجلباب.. والجبة والقفطان.. و ... و ... إلخ).. وهنا تزايدت حدة الأصوات المطالبة بطرد الإسلاميين.. ووقف الهجرة الشرعية وغير الشرعية.. للمجتمع الأوروبي.. وهذا أضعف التصرفات.. لأنه بعد قليل ستتحول هذه الأصوات إلى قوانين تشرعها البرلمانات.. والحكومات الغربية.. وبالتالى إعادة تصدير الإرهابيين إلينا.. وبالمنطق فهى بضاعتنا وردت إلينا ففيما العجب (!!).. لتزداد المنطقة العربية اشتعالا.. وتزداد النعرات الطائفية والعقائدية والعرقية احتقانا.. وهذا ما تريده إسرائيل الكبرى.
أما السيد أردوغان الذى انفجر لديه الموقف بأسرع انقلاب يتم القضاء عليه.. وكأنه تمثيلية سخيفة من فصل واحد.. وأبطالها ما زالوا يختفون فى كواليس الأحداث.. ويبدو أن شعبية أردوغان التى باتت تعانى من تآكل مستمر.. ونجح فى الانتخابات الأخيرة بعد دخوله للجنة رأفة ليعبر أزمته الداخلية التى استفحلت بعد أن امتد نشاطه لأذية جيرانه بشراسة خارج حدود بلاده.. فازدادت الأصوات المعارضة لنظامه الفاشى.
فهناك إشارات واضحة من معظم الدوائر السياسية والغربية منها على وجه الخصوص.. تؤكد أن أردوغان نجح رجال استخباراته فى اختراق مجموعة محدودة من صغار ضباط الجيش التركي.. وتمت  استمالتهم والتغرير بهم للقيام بانقلاب عسكرى (مضمون ومحدود) على السيد أردوغان.. وبالطبع سيفشل الانقلاب ويضحى أردوغان بالصغار.. ولأنه ينتمى لتنظيم دموى فسيتم تقديم اعداد ليست بالقليلة قربانا (للديمقراطية) لتضم دماء الضحايا من المدنيين والعسكريين والشرطة إلى فاتورة الحساب.. تمهيدا لتصفية خصومه المعارضين.. إما بالإعدامات الجماعية.. وإما الاغتيالات على خلفية القضاء على المتمردين.. محاكمات عسكرية عاجلة للمتمردين وفى زمرتهم سيزج بجميع  الأصوات المعارضة.. ليضعهم فى السجون لفترات مفتوحة من الاعتقال بحق أو بغير حق.. أو لعزلهم من مناصبهم لإقصائهم بعيدا عن المشهد السياسى أو القضائى.
 وقد بدأ بالفعل بتأميم مؤسسة القضاء لحساب جماعته وحزبه.. فقام بعزل عدد هائل من خيرة رجال القضاء التركي.. فى مذبحة شملت 2474 قاضيا.. ليستبقى رجال قضائه الذين سيحكمون على هواه.. بالإضافة إلى عزل أعداد هائلة من كبار جنرالات الجيش الذين لا يدينون له بالولاء ولسياسته الفاشية.. وهكذا يكون أردوغان قد تمكن من أخونة المؤسسة العسكرية التركية التى كانت آخر معقل لحماية دستور البلاد من تغول سلطات أردوغان وحزبه.. وتنفيذ آخر خطوة من خطة التمكين الذى نفذها بذكاء على مدى فترة حكمه الطويل لتركيا.. إنه انقلاب تكتيكى للإطاحة بجميع الخصوم وتطهير القوات المسلحة من كل الجنرالات المعارضين لسياسته.. وذبح القضاة والمعارضين والخصوم.. ولا عزاء للشعب التركى الذى سيعانى كثيرا قبل أن يحصل على حريته من جديد (!!).. فالإرهاب فى نيس لا ينفصل عن الإرهاب الذى يمارسه أردوغان ضد خصومه.