الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الربيع العربى.. وخريف أردوغان!

الربيع العربى.. وخريف أردوغان!






 يبدو أن سنوات العشق والغرام بين أمريكا وأوروبا والرئيس التركى تدخل فى خريف ضبابى.. فقد أعرب أردوغان عن «حزنه» بسبب تصريحات الرئيس أوباما حيث قال: «إن تعامل تركيا مع الصحافة محرج» إنه عبر عن رأيه للرئيس التركى مباشرة قائلا: «إن تراجع حرية الصحافة فى تركيا أمر مقلق».. ورد عليه أردوغان فى مؤتمر صحفى بواشنطن غاضبا: «ما يحزننى أن هذه التصريحات صدرت فى غيابي.. وأن حرية الصحافة المكفولة فى تركيا.. فالصحف التركية «تصفنى باللص والقاتل».. ولم تغلق.. ولو كانت تركيا ديكتاتورية فكيف لهذه الصحف أن تبقى.. فمثل هذه الإهانات والشتائم غير مسموح بها حتى فى الغرب».
 ويبدو أن خروج أردوغان عن النص المتفق عليه مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبى.. سوف يعجل بانهياره قريبا كعنصر أساسى فى معادلة تحويل الصراع (العربى-الإسرائيلى) فى الشرق الأوسط.. إلى صراع (سنى- شيعى).. فقد راهن الغرب على نظام أردوغان (الإسلامى المعتدل).. والذى قاد عملية إصلاح واسعة.. بمساندة (أمريكية-غربية) داعمة لحزب العدالة والتنمية.. أملا فى الالتحاق بالاتحاد الأوروبى متمسكا بعلمانية الدولة.. فى التوجه نحو الغرب بنموذج جديد لنظام إسلامى (طبعة تركية معاصرة).. منذ أن تولى رئاسة الوزراء 2003 ثم رئاسة الجمهورية عام 2013.. ليكون رأس الحربة فى (أسلمة)!.. الصراع فى الشرق الأوسط.. عبر ثورات (الربيع العربى) للقضاء على النفوذ الإيرانى المتزايد فى العراق بعد سقوط بغداد.. وفى سوريا التى تساند بتمويل إيرانى جماعة حسن نصر الله زعيم حزب الله فى لبنان.. والحوثيين فى اليمن.. وبعض البؤر الشيعية المناوئة لإمارات وممالك دول الخليج.
 ويبدو أن الأمريكان نسوا أو تناسوا هم وحلفاؤهم الأوروبيون.. أن أردوغان ينحدر من حزب أصولى متطرف (حزب الرفاه).. ففى عام 1998 اتهُم بالتحريض على الكراهية الدينية ما تسبب فى سجنه ومنعه من العمل فى الوظائف الحكومية ومنها الترشيح للانتخابات العامة بسبب اقتباسه أبياتًا من شعر تركى أثناء خطاب جماهيرى.. يقول فيه: «مساجدنا ثكناتنا - قبابنا خوذاتنا - مآذننا حرابنا - والمصلون جنودنا - هذا الجيش المقدس يحرس ديننا».        
وبعد هذه الواقعة أراد أردوغان أن يدفع عن نفسه أى شبهة للصلة الحزبية والفكرية مع أربكان وتياره الإسلامى الذى أغضب المؤسسات العلمانية عدة مرات.. فأسس حزبه الجديد مؤكدا أن حزب العدالة والتنمية سيحافظ على النظام الجمهورى ولن يدخل فى مماحكات مع القوات المسلحة التركية وقال «سنتبع سياسة واضحة ونشطة من أجل الوصول إلى الهدف الذى رسمه أتاتورك لإقامة المجتمع المتحضر والمعاصر فى إطار القيم الإسلامية التى يؤمن بها 99% من مواطنى تركيا».
 خاض حزب العدالة والتنمية الانتخابات التشريعية عام 2002 وحصل على أغلبية ساحقة.. لم يتمكن أردوغان من ترأس حكومته فى هذا العام.. بسبب تبعات سجنه وقام بتلك المهمة أستاذه ومعلمه «عبد الله غول».. وتمكن فى مارس عام 2003، من إسقاط الحكم بالسجن.. وتولى رئاسة الحكومة.. وبعدها عمل على الاستقرار والأمن السياسى والاقتصادى والاجتماعي.. وتصالح مع الأرمن بعد عداء تاريخي.. وفعل ذلك مع اليونان.. وفتح جسورا بينه وبين أذربيجان وبقية الجمهوريات السوفيتية السابقة.. وأرسى تعاونا مع العراق وسوريا وفتح الحدود مع عدد من الدول العربية ورفع تأشيرة الدخول.. وأعاد لمدن وقرى الأكراد أسماءها الكردية بعدما كان ذلك محظورا.. وسمح رسميا بالخطبة باللغة الكردية.. كل هذا كان يسير فى سهولة ويسر.. وبخطى متلاحقة.. فأصبح محل احترام وإعجاب العالم كله.. وسارعت العواصم العربية بتكريمه ومنحه الجوائز والأوسمة.. وظل هكذا حتى جاءت اللحظة الحاسمة.. عندما قامت ثورات (الربيع العربي).. ليبدأ الخريف التركى على يد أردوغان نفسه الذى تبنى أفضل مشاريع التنمية فى تاريخ تركيا المعاصر.. وفجأة تنتابه مظاهر جنون العظمة ويتحول إلى ديكتاتور دموى بمساندة الجيش الثورى الموازى للجيش التركى الوطنى.. فأخذ يعتقل ويصفى ويغتال ويبطش ويفصل كل خصومه السياسيين والمعارضين لسياسته الديكتاتورية.
 فقد أوهمه الغرب أنه خليفة المسلمين.. ومن ناحيته هو صدق هذه الفرية.. وأنه سيعيد الخلافة للدولة العثمانية.. فاستخدمه الأمريكيون والغرب كمخلب للشيطان هو وبعض الأنظمة العربية.. لتفتيت وتشريد شعوب المنطقة.. بعد إسقاط الدول العربية فى آتون الحروب الدينية والعرقية والطائفية.. بيده مرة.. وبيد الإرهابيين والدواعش والتحالفات الأصولية المتطرفة مرة أخرى.. ظننا منه أن هذه المعارك ستحسم لصالح تنظيم الإخوان المسلمين.. فيؤسس دولته المزعومة.. وللأسف لم يستوعب درس صدام حسين الذى نفخه الغرب حتى انفجر إلى شظايا هو وشعب ودولة العراق الشقيق!.