أيمن عبد المجيد
للرئيس وزملائى «1»
سجل تاريخ البشرية، للكاتب المصرى اسبقية الإمساك بالقلم، عاصر أحداث وحوادث ميلاد الدولة فسجلها، اعتصرته تجربة الحضارة المصرية الضاربة بجذورها فى عمق التاريخ، فنقلها للعالم على جدران المعابد وأوراق البردى، ولا تزال تبهر سكان الكون حتى الآن.
ستظل كلمات آبائنا الأوائل تنبض بالحياة أبد الدهر، رغم ما يعلوها من غبار الزمن، ربما يؤرقهم تحول أفواه بعض أحفادهم، إلى براكين تقذف حمماً، عبر شاشات الفضائيات على المشاهدين، أو تدمع اعينهم لما يعانيه شباب تلك المهنة المقدسة.
شاهدت أمس الأول ندوة تأثير الإعلام على صناعة الرأى العام الشبابي، والتى حضرها الرئيس متابعاً ومشاركاً بالرأي، ضمن فعاليات المؤتمر الوطنى الأول للشباب المنعقد بشرم الشيخ.
وكونى أحد شباب مهنة الصحافة المعنيين بهمومها وآلامها والإعلام عموماً، منذ وطأت قدماى بلاطها، أجد من المفيد طرح قضية إصلاح المنظومة الإعلامية لحوار أوسع وأشمل من مجرد ندوة، فى ظنى- وليس كل الظن إثم- رغم ما حوته من تنوع فى الآراء، فإنها وصفت عرضًا دون المساس بجذور مسببات المرض، بخلاف ما حوت من أخطاء فادحة فى ظل الدعوة لتدقيق المصطلحات.
ويبقى السؤال للرئيس عبدالفتاح السيسي، هل الدولة جادة فى إصلاح المنظومة الإعلامية؟ والسؤال للأسرة الصحفية والإعلامية: هل تريدون لمصداقية الإعلام البقاء، أم تبغون دفن المهنة حية، مسربلة بحجاب كثيف من الأعراض عن الاعتراف بحقيقة ما آلت إليه أوضاعنا؟!
لقد كان عنوان الندوة من شقين، الأول: «تأثير الإعلام» والثانى: «الرأى العام الشبابى» ومن ثم الهدف هو قياس مدى التأثير بنوعيه السلبى والإيجابى، فإذا بالمنصة خاصة الأكاديميين منهم يشعرون المشاهد وكأنهم يلقون محاضرة معدة سلفا، وبدا ذلك واضحاُ فى الهروب من اسئلة الزميل اسامة كمال الذى اجاد فى ادارة الندوة، واصرارهم على تلاوة ملاحظاتهم المدونة سلفاً.
ومن ثم غلب على النقاش الاهتمام بالقشور لا الجذور، وصف العرض لا البحث عن مسببات المرض، ووضع علاجاته، فالأسئلة الجوهرية كان ينبغى أن تنصب على صانع الرسالة الإعلامية والرأى العام باعتبارهما محور القضية موضع النقاش.
وللاصلاح الجذرى للمنظومة الإعلامية ينبغى أن ننطلق من سؤال جوهرى: من هو الصحفى أو الإعلامى؟ الحقيقة أن التأثير ناتج عن رسالة إعلامية يصيغها مرسل هو الإعلامى ومستقبل هو القارئ والمستمع والمشاهد ومستخدم وسائل التواصل الاجتماعى، وأزمة الإعلام فى مصر أنه بات مهنة من لا مهنة له.
فمن صاحب حق منح تراخيص مزاولة المهنة؟ وما معايير اعتماد الإعلامي، وهل تلك المعايير مطبقة؟ وهل العاملون بالمهنة ملزمون وفق قانون بتطوير أدواتهم المهنية؟ وهل هناك ايفاء بالحقوق وإلزام بالواجبات؟
الإجابة لا.. فكل فنان أو فنانة يبلغ من الكبر عتيا يعتزل الرياضة أو الفن ليبدأ مشواره على الفضائيات بلا سابق انذار أو تأهيل، وكل من يملك بضعة آلاف أو تسكع فى أروقة الميادين والمظاهرات يعتلى منابر الفضائيات باعتباره زعيمًا ثورثًا وكل من لا يجد وساطة للعمل بوزارة ما يجد طريقه إلى صالات التحرير، وإن لم تسعفه كفاءته قد يشفع له صبره سنوات أو انتماءه لحزب مالك للصحيفة، وهناك من الكفاءات من يظل خارج المظلة النقابية لسنوات رغم كفاءته واقتداره.
والسؤال الثانى الجوهري: من يقود الآخر الإعلام أم الرأى العام؟ وما خصائص الرأى العام وأى إعلام نقصد؟
هالنى الخطأ العلمى الذى وقع فيه الدكتور حسين أمين، عندما استخدم مصطلح «صحافة المواطن» و«المواطن الصحفى»، وللأسف صدر لنا الغرب مصطلح «المواطن الصحفي» فتلقفناه بلا وعى وبات يردد فى اروقة ومنتديات علمية باعتباره حقيقة من المسلمات.
وهنا أربأ بأستاذ جامعى الوقوع فى هذا الفخ، فصفة صحفى لا ينبغى أن تمنح لغير ممتهن الصحافة بشكل حرفى وفق ضوابط علمية وموضوعية، أما المواطن الذى ينقل واقعة وفق رؤيته أو يرسل فيديو لحادثة، هو فى الحقيقة شاهد عيان على واقعة القت به الصدفة فى موقع الأحداث، ومن ثم هو مواطن مصدر وليس صحفيًا، ومن ثم يجب أن نخضع روايته أو زاوية صورته وما يرسله أو يشيره من فيديوهات للتدقيق المهنى، ألم تسمع عبارة «مصادر متطابقة»، أين هى الآن من صحافتنا وإعلامنا.
وللحديث بقية إن شاء الله.






