الثلاثاء 10 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
للرئيس وزملائى «2» تنمية الإعلام من أجل التنمية

للرئيس وزملائى «2» تنمية الإعلام من أجل التنمية






السؤال للرئيس عبدالفتاح السيسى:هل الدولة جادة فى إصلاح المنظومة الإعلامية؟.. والسؤال للأسرة الصحفية والإعلامية: هل تريدون لمصداقية الإعلام البقاء، أم تبغون دفن المهنة حية، مسربلة بحجاب كثيف من الأعراض عن الاعتراف بحقيقة ما آلت إليه أوضاعنا؟!
اعتقد أن قضية إصلاح المنظومة الإعلامية لم تعد رفاهية، فى ظل ما يواجه كيان الدولة من تهديدات إقليمية ودولية، تتطلب إدراكاً لحجم التحديات وقدرة على أداء دور فاعل فى المواجهة والدفاع المجتمعى.
والتحديات تتدرج من استهداف العقل الجمعى لخلق رأى عام يائس مذبذب، متخبط غير قادر على البناء، إلى نثر بذور التطرف لاستقطاب العقول، ومرورًا بخلق تشوهات فى لغة الحوار وهدم ثقافة الحوار، إلى تضليل أجندة الإعلام لتنحرف وسائله إلى الإهتمام بتوافه الأمور، والغيبيات من جن وشعوذة، وتضخيم لصراعات هامشية، وتجاهل القضايا الجوهرية التى تتطلب نقاشاً مجتمعياً حقيقياً للنهوض بالدولة، ومحاربة الفساد.
فى عام 2009 دعيت للمشاركة فى مؤتمر حول دور الإعلام والتنمية فى موريتانيا، فتقدمت بورقة بحثية عنوانها «تنمية الإعلام من أجل التنمية».
وأجد من المناسب اليوم ونحن نتحدث عن إصلاح منظومة الإعلام فى مصر أن ننطلق من الجذور لا القشور، فما يحدث من تشوهات فى الساحة الإعلامية هو عرض للمرض.
والمرض يكمن فى تفشى فيروس اللا مهنية، واغفال المؤسسات لمقومات التنمية، وللوصول إلى إعلام تنموى، علينا أن نستثمر فورًا وبلا أدنى تأخير فى تنمية الإعلام.
والإعلام التنموى الذى اقصده هو ذلك الذى يسهم بفاعلية فى تنمية المجتمع اقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا وأخلاقيًا وأمنيًا.
 فالتنمية الاقتصادية، مفهومها،  يبدأ ولا ينتهى، بنشر تبسيط للمفاهيم الاقتصادية والتشجيع على العمل، لتنمية الثقافة الإنتاجية عبر قوالب إعلامية تبرز النماذج الناجحة من الشباب المنتج، وتناقش معوقات ومتطلبات المشروعات، وتوضح ما يحاك بالوطن من مؤامرات، أما التنمية الثقافية، فتأتى عبر تنمية الوعى العام والاهتمام بالنابغين فى مجالات الفنون المختلفة والنقد البناء لقصور أداء وزارة الثقافة وإلى آخر ذلك.
والتنمية السياسية تكمن فى تنمية الوعى السياسى، والحث على المشاركة الحزبية والسياسية ونقل مختلف وجهات النظر حول القضايا المتنوعة، لتقديم حقائق للمواطن، تمكنه من بناء آراء قائمة على معلومات مكتملة حول القضايا المختلفة، والاهتمام بتنمية الثقافة الأمنية بتعريف المواطنين بأبعاد الأمن القومى ودوره فى مكافحة التطرف وتحصين الابناء ضد محاولات الاستقطاب التى تطال النشىء فى غرف النوم عبر الإنترنت إلى الأمن المجتمعى وخطورة الفساد فى غرس بذور اليأس.
وللوصول لإعلام تنموى، علينا أن نبدأ بتنمية الإعلام ذاته، ففاقد الشىء لا يعطيه، ولا يمكن تنمية عنصر من عناصر المنظومة الإعلامية وتجاهل الآخر، فالمنظومة الإعلامية مثل طاولة تقوم على أربعة أرجل، الأول العنصر البشرى القائم بالاتصال، والوسيلة الإعلامية، والمتلقى والبنية التشريعية التى تحكم العمل وتحفظ الحقوق والواجبات.
والعنصر البشرى هنا تمكن تنميته عبر وسيلتين، الأولى: وضع ضوابط للالتحاق بالعمل الإعلامى تشترط الحصول على تأهيل علمى مقترن بتدريب عملى للوصول إلى درجة الإجادة ومن ثم الإجادة عبر لجنة حرفية لمنحه ترخيص مزاولة المهنة، فلا ينبغى أن يظل الإعلام مهنة من لا مهنة له، أو تتحول منصات الإعلام لمنابر سياسية ودعائية لنواب ومن يهوى المنافسات الانتخابية أو الباحثين عن أوراق ضغط لتحقيق مكاسب اجتماعية.
ويتحقق ذلك عبر النقابات، وهنا تأتى أهمية إعادة صياغة البنية التشريعية التى تنشئ نقابة للإعلام المرئى والمسموع إلى جانب نقابة الصحفيين، وتضع التشريعات ضوابط حاكمة لمنح تراخيص مزاولة المهنة، مع قصر ممارسة الإعلام على حاملى تلك التراخيص التى تمنحها النقابات بصفتها المعنية بشئون المهنة وليس أى سلطة أخرى.
والأمر يمكن تحقيقة ببساطة، بأن يتضمن التشريع إلزام كل نقابة بإنشاء معهد للتدريب يتولى شأنه خبراء، يشترط لغير دارسى الإعلام الالتحاق بالمعهد لمدة عامين للحصول على ترخيص مزاولة المهنة، وعام للحاصلين على مؤهلات مرتبطة بالإعلام، ويدرس الطالب فى هذا المعهد، مواثيق الشرف المهنى، وخطورة المصطلح ودقته، وتشريعات إعلامية، ومفهوم وأبعاد الأمن القومى، والضمير المهنى، وحقوق المشاهد، مع تدريبات عملية ليقتصر منح ترخيص العمل لمن يجتاز بنجاح.
أما أن يترك الإعلاميون مسألة الالتحاق للعشوائية وملاك الوسائل الإعلامية، وحسابات المصالح والأهداف التى تجمعهم فإن هذا دفن للمهنة حية، أما عن الملتحقين الفعليين بالإعلام فينبغى أن تشمل التشريعات نصوص تحكم آليات الترقى، وتربط الترقى بالحصول على دراسات مؤهلة فى تلك الأكاديميات المقترحة، فلكى تعمل محرراً يجب أن تجتاز دورات مؤهلة، وأخرى لتحصل على درجة رئيس قسم، وثالثة للتخصص فى مجال معين، ورابعة لمديرى التحرير وخامسة لرؤساء التحرير وهكذا، وبالمثل المراسل ومقدم البرامج ورؤساء القنوات كل عبر نقابته.
ومن ثم فإن السؤال الذى طرحته فى بداية مقالى موجهًا لرئيس الجمهورية، هل الدولة جادة؟ وللزملاء: هل نحن جادون؟ إذا كانت الإجابة بالإيجاب فعلينا أن نصارح أنفسنا قانون الإعلام الموحد المطروح الآن مسخ مشوه لقوانين بالية لا يقدم إصلاحاً حقيقياً، بل هو مثل النعجة دولى، سيموت سريعًا لعجزه عن التعاطى مع مشكلات وتحديات العصر الحالى.
ولذا يجب على الدولة ممثلة فى مجلس النواب الإسراع بإصدار التشريعات المكملة للدستور، تقتصر على وضع ضوابط تشكيل واختصاصات «المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام» لتقوم تلك الهيئات عقب تشكيلها بإدارة حوار مجتمعى بمشاركة نقابتى الصحفيين والإعلاميين، للوصول لصيغ تشريعية تحقق إصلاحات حقيقية، وقبل كل ذلك على الدولة وبرلمانها التخلى عن تثاؤبها وكسلها والبدء بإنشاء نقابة للإعلاميين.

وللحديث بقية