الثلاثاء 10 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
هنا فساد لمن يريد الإصلاح «3»

هنا فساد لمن يريد الإصلاح «3»






كانت الساعة الثانية عشرة ظهرًا، عندما استقبلنى فى مكتبه الفاره، أبدى موافقة فورية على العرض الذى تقدمت إليه به فى جلسة تفاوضية، لكنه وضع شرطًا واحدًا فقط، كان كفيلاً بأن يرسخ لدى يقينى المسبق حول طبيعة تلك العقليات المالكة للإعلام الخاص فى مصر.
كان قد حصل على حكم قضائى بتعويض مالى ضد مؤسسة «روزاليوسف»، على خلفية انتقادات حادة له من الأستاذ عبدالله كمال ـ رحمه الله ـ رئيس تحرير روزاليوسف الأسبق، فترة ما قبل ثورة 25 يناير 2011، وكان لقائى بمالك الوسيلة الخاصة عام 2012، بموافقة مجلس إدارة المؤسسة بصفتى عضوا بالمجلس يتفاوض لإنهاء عدد من قضايا التعويضات التى خسرت بعضها المؤسسة أو تلك التى خلصت الإدارة القانونية إلى ضعف موقفها، حيث كانت الأوضاع المالية بالمؤسسات الصحفية شديدة الصعوبة عقب الثورة ما يجعلها لا تحتمل مزيدًا من الأعباء.
عرضت التصالح، قال: موافق بشرط، قلت تفضل: أجاب أن تمادى فى الحديث عن تاريخه وتاريخ عائلته فى صناعة الإعلام مستشهدًا بعدد من الصور: «أريدك أن تكتب بقلمك الرشيق موضوعًا عن صحيفتى ونجاح تجربتى، وتاريخ والدى الذى اوضحته لك، فـ«روزاليوسف» مؤسسة عريقة وأريد أن اقرأ إشادتها بصحيفتى»، مضيفًا: «مع التأكيد فى الموضوع على إننى كمالك لا أتدخل مطلقًا فى شئون التحرير، ولا تنسى أن ذلك الموضوع سيكشف لى رشاقة قلمك وقدراتك، وأنا اكتشف الأقلام الموهوبة لضمها لكُتَّاب الرأى فى صحيفتى».
كنت قبلها بسنوات كتبت فى زاويتى قلم ولغم، أن وسائل الإعلام الخاصة ما هى إلا دروع لحماية مصالح الملاك ومنصات لإطلاق الصواريخ على الخصوم، استعادت ذاكرتى تلك العبارة، فشعرت بنشوة، لا يستطيع إدراك لذتها إلا ذلك الكاتب القادر على سبر أغوار القضايا، أو استشراف المستقبل، فإذا بالأيام تثبت له صدق ما خلص إليه من قبل.
ابتسمت وقلت له: هناك صيغة أفضل هى أن يُنشر خبر التصالح وأن يشتمل على فقرة تكن فيها المؤسسة لكم التقدير والإحترام، فرفض وأصر على أن يكتب موضوع إشادة بصحيفته دون أن يعلم القارئ بشىء عن التصالح، رفضت ما يخصنى، أما الموقف القانونى فأمامنا دومات أخرى من التقاضى أو الدفع فى أحلك الظروف، ودعته وهو يقول «فكر»، فابتسمت ساخرًا، لم يفلح إغراؤه وعرضه المبطن فى تلويث قلمى وأرشيفى المهنى، أو صفحات روزاليوسف.
تلك الواقعة الكاشفة، توضح كيف يختار مالك الصحيفة أو الفضائية الخاصة، بعض كُتَّاب الرأى أو المذيعين الرئيسيين لديه، يحققون له أهدافه ويملى عليهم رغباته، بل ويستخدمهم أدوات فى صراعاته، أو حلقة وصل بينه وبين بعض أجهزة الدولة أمنية كانت أو سياسية، فبعض قيادات بأجهزة تستخدم ذات الأشخاص فى ذات الوسائل لتحقيق مآربها أيضًا، والتى منها تحجيم التوجهات المناهضة للنظام بتلك الوسائل، والمالك لا يستطيع الإطاحة بهم عند اصطدامهم برغباته كونهم يحققون له قناة اتصال مع أجهزة الدولة فى لحظات الاحتقان.
أعلم إننى أسير الآن فى حقل ألغام على أن أتحسس خطاى فيه، غير أن تلك حقائق، أعراض لمرض عضال اسميه فساد صيغة الملكية، ومصلحة الوطن والمهنة لدى فوق كل اعتبار.
القانون هرم مهترئ تتفشى به الثقوب، ففى حين يشترط لتأسيس وسيلة إعلامية إنشاء شركة مساهمة مصرية مالكة للحصول على الترخيص، فإن الواقع يقول إن تلك الملكية ليست فى واقع الأمر إلا ملكية فردية أو عائلية على الأكثر، ومن ثم بضعة أفراد يُعدون على أصابع اليد الواحدة من أصحاب الثروات هم من يملكون إعلامنا الخاص المقروء والمرئى، وتحرك مصالحهم وأهدافهم وتحالفاتهم بوصلته بما يملكه من تأثير فى الرأى العام.
وبات من المعتاد أن يصدر الرأسمالى الصحيفة أو يطلق الفضائية، لجعلها جسر تواصل مع مؤسسات الدولة، تعبر فوقه مصالحة المالية وصفقاته، فإذا ما تعارضت مصالحه مع شخص أو مؤسسة، تحول الجسر إلى ورقة ضغط ومدفعية ثقيلة تطلق القذائف على خصومه، وإذا ما قضى من وسيلته الإعلامية مأربه أو يأس من تحقيقه، أغلقها أو باعها لرأسمالى جديد باحث عن دور أو درع واقية لمصالحه.
قطعًا، بعض الأنظمة ـ وبالمناسبة فى العالم أجمع ـ تجد فى فساد المنظومة الإعلامية فائدة لها عندما تلعب بذات الأوراق، فتدفع أنصارها من رجال المال لشراء فضائيات معارضيها، فتتغير البوصلة دون أن يتهم النظام بقمع الإعلام، لذا كان السؤال: هل الدولة جادة فى إصلاح المنظومة الإعلامية؟! وهل نظامنا الحالى يستهدف الإصلاح أم الاحتواء؟!
وبين هذا وذاك تجرح المهنة، ويعانى شرفاؤها، عندما تتقاذف أمواج المصالح مصداقية الإعلام والإعلاميين بما يفعله السفهاء منهم، وتضيع حقوق المهنيين من العاملين بتلك الصحف التى تُغلق بأمر مالكيها، أو تلك التى تؤول ملكيتها لآخر دون ضمانات لحقوق العاملين بها.
ومن ثم أقولها للرئيس عبدالفتاح السيسى وللزملاء الإعلاميين، إصلاح مرض الملكية يكون فى رأيى، توسيع قاعدة ملاك الوسيلة الواحدة، لكسر الاحتكار الفردى، لتصبح معبرة عن مصالح قطاعات مجتمعية، لا فردية، ويتطلب ذلك تشريع جديد ينظم ضوابط الحصول على تراخيص اصدار الصحف والفضائيات، تكون الوسيلة الإعلامية بمقتضاه مملوكة بشكل حقيقى لشركات مساهمة لا يقل عدد مالكيها عن مئة فرد، ولا تزيد ملكية الفرد وعائلته فى حدها الأقصى على 30% من الأسهم.
وأن يشكل الملاك فى مجموعهم جمعية عمومية تضع السياسات التحريرية والأهداف العامة للوسيلة، وينتخبون مجلس إدارة يعين رؤساء التحرير أو المذيعين، وتتابع الجمعية العمومية مدى إلتزام الوسيلة الإعلامية بالسياسية العامة الموضوعة، على أن تلتزم الوسائل الحالية بتوفيق أوضاعها فى مدى زمنى محدد.
وإلى جانب ذلك يجب أن ينص القانون المقترح على اخضاع كل ميزانيات ومصادر تمويل جميع وسائل الإعلام لرقابة الجهاز المركزى للمحاسبات، لغلق باب التمويل المشبوه، واسدال الستار على عصر المالك الفرد المتحكم، وهنا يصبح الإعلام مملوكا لمجموعات، وفئات ونقابات وكتل مجتمعية معبرًا عن قطاعات لا مصالح أفراد.
وللحديث بقية أن شاء الله