أيمن عبد المجيد
عبيد الصحافة «4»
عندما يصاب شخص بغيبوبة، يكون أمامك طريقتان لمحاولة إفاقته، الأولى أن توجه له صفعات خفيفة على خديه لتنبيه مراكزه الشعورية، أو أن تعرض أنفه لرائحة عطر نفاذ، فى الريف والمناطق الشعبية كانوا يستخدمون رائحة البصل لهذه المهمة.
حكومتنا فى غيبوبة اختيارية بشأن القضايا الإعلامية، تحتاج لصفعات الكلمات لتنبيهها، فلست من هواة الإفاقة بالعطور، خاصةً فى حالات الغيبوبة المصطنعة، فمعها قد تفيق الحكومة على الرائحة المنعشة فتخلق لديها صورة ذهنية مخالفة لواقع الإعلام الأليم.
فى حين تتطلب المنظومة الإعلامية إصلاحات تشريعية جذرية حتمية وعاجلة، تصطنع الحكومة الدخول فى غيبوبة كلما أثير هذا الأمر، ومع كل أزمة تعانيها الدولة يلقى باللوم على الإعلام، ويقسم المسئولون بأغلظ الأيمان أنهم جادون فى الشروع فى الإصلاحات، ولا مانع من بعض اللقاءات مع كبار الكتاب وتلقى مقترحات التشريعات، ثم تعود الغيبوبة تارة بزعم انتظار موقف مجلس الدولة وتارة أخرى ازدحام الأجندة التشريعية حتى نفد رصيد المبررات.
الصحافة الإلكترونية أحد أخطر عناصر المنظومة الإعلامية، لسببين، الأول: تعاظم أثرها لما تملكه من عنصر الآنية فى نشر الأخبار، وإمكانية الإضافة والتعديل، ومضاعفة التأثير اللحظى عبر تداول الأخبار على الصفحات المليونية بمواقع التواصل الاجتماعى الأكثر انتشارًا.
والثانى؛ أن جمهورها الأكبر من قطاع الشباب، وهو القطاع الأكبر ٦٠٪ من عدد السكان، ومن ثم تقدم لهم الصحافة الإلكترونية الوجبات الإعلامية السريعة «تيكاوى» المتشبعة بزيوت اللامهنية الضارة فى كثير من الأحيان، وسط غلبت معيار الإثارة والمشهيات الصناعية، لزيادة نسب المشاهدات وإن جاء ذلك على حساب المحتوى.
وكما تخلق الوجبات السريعة، جيلاً من الشباب مترهل البنيان الجسدى، تخلق الوجبات إعلام «التيكاوى» لدى ذات الجيل التشوهات الفكرية، ويضمحل الوعى، وتزدهر ثقافة التسلية ويتآكل العقل النقدى، والذوق العام وسط النزول بلغة عدد ليس قليلاً من المقالات والموضوعات إلى ذلك النوع الهابط الذى يعف لسان المواطن المحترم عن النطق به.
هذا لا يعنى مطلقًا اعتراض على الصحافة الإلكترونية كوسيلة هامة، بل هناك الكثير من المحتوى والصحفيين المحترفين يعملون بها، لكن الإجادة يفترض أنها القاعدة التى لا تحتاج شكرًا، بينما مواضع القصور تلك التى تحتاج نقدًا للتصويب، فهذا النوع من الصحافة بات واقعًا يفرض نفسه كأحد أبرز مستجدات العصر وضرورات التطور.
أزمة تلك الصحافة واسعة التأثير بالغة الأهمية، أنها تسير فى الفضاء، تتكاثر بلا ضمانات مهنية، بفعل غيبوبة الحكومة التى تتجاهل تنظيم بنيتها التشريعية، رغم أن الدستور نص على وضع قوانين تنظمها ضمن إصلاحات المنظومة الإعلامية ككل.
فى بلاط صاحبة الجلالة عبيد، وخاصة فى الصحافة الإلكترونية، فالصحفى المحترف بها حقوقه مهدرة، يعمل سنوات بلا حماية تأمينية، ولا حماية نقابية، فنقابة الصحفيين قانونها المولود عام ١٩٧٠، والذى يناهز عمره الآن ٤٦ عامًا، لا يعترف بالصحفى الإلكترونى، ولا أجد مبررًا للزملاء فى مجلس النقابة، المفترض أنهم معنيون بالحقوق، مبررًا لتجاهل صياغة تعديلات تشريعية على قانون النقابة، لحماية حقوق الزملاء المحترفين للمهنة، الذين يتاجر بمستقبلهم ملاك صحف إلكترونية تصدر، تستنزف قدراتهم وزهرة شبابهم ثم تُغلق.
ومن أجل حماية حق القارئ فى إعلام جاد، وحق الصحفى المحترف بتلك النوعية من الصحف، وتنقية المهنة من الدخلاء ومواقع الإسفاف وتحصين المجتمع من الشائعات، لابد من إفاقة الحكومة من غيبوبتها، لبدء حوار حقيقى فورى وجاد مع الأجيال المتنوعة والمعنيين، لإصدار تلك التشريعات.
من المهم أن يبدأ الفصل الخاص بالصحافة الإلكترونية، بتحديد ماهية الصحيفة، بأن تكون تلك الصادرة بالإخطار عن شركة مساهمة مصرية، برأس مال مدفوع يجرى الحوار على حده المناسب لضمان توفر الحدود الدنيا من الإنفاق، الذى يضمن الاستمرارية وحقوق العاملين بها، يخصص ٢٠٪ منه وديعة لصالح العاملين بها حال الغلق أو الفصل التعسفى.
وأن يشترط لممارسة عملها، أن يكون لها مقر ثابت، ورئيس ومجلس تحرير من المقيدين بجدول نقابة الصحفيين، على أن يشمل تعديل قانون النقابة توفيقًا لأوضاع محترفى المهنة بتلك النوعية، بعد الإجازة من قبل الأكاديمية النقابية التى سبق واقترحتها فى سلسلة مقالاتى هذه.
وللحديث بقية أن شاء الله






