محمد بغدادي
نار البنزين.. ولعنة التعويم!
منذ عقود ثلاثة وقضية تعويم الجنيه وإيصال الدعم لمستحقيه.. تؤرق كل الحكومات المصرية المتعاقبة.. حتى أصبحت هذه القضية مثل حقل الألغام.. وكل حكومة تأتى تؤجل اقتحام حقل الألغام.. وتتركه للحكومات القادمة.. فبعض الحكومات اكتفت بوضع كبارى علوية لتعبر بسلام من فوق الألغام دون ان تصاب بسوء.. وأهملتها تماما.. وبعض الحكومات تجاهلت القضية واعتبرتها غير قائمة.. وكان من الممكن أن يقوم محافظ البنك المركزى الأسبق الدكتور فاروق العقدة بتعويم الجنيه منذ أن كان بخمسة جنيهات ونصف أو بستة جنيهات.. وفى هذه الحالة كانت الخسائر ستكون أقل بكثير مما يتكبده الاقتصاد المصرى الآن من خسائر باهظة.. ولكن يبدو أننا دائما نعشق الفرص الضائعة.. ويستهوينا اللعب فى الوقت الضائع.. أو نفيق بعد فوات الأوان!
ورغم أن كل الحكومات منذ عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك.. كان لابد لأن تقوم بهذه الخطوة.. ولكن الأيادى المرتعشة لم تواتيها الشجاعة للإقدام على هذه الخطوة.. ولم تكن حاسمة وحازمة بالقدر الكافى.. وتركت هذا الكابوس لمن يأتى من بعدها.. ولكن صندوق النقد الدولى لا يرحم.. ومن عجز عن إصلاح اقتصاد بلده.. عليه أن يتحمل رزالة صندوق النقد الدولي.. ومن لم ينجح فى سد فجوة العجز فى ميزان المدفوعات.. عليه أن يتحمل شروط البنك الدولى المجحفة.. ومن فشلت قدراته على تبنى خطط للتنمية الاقتصادية الحقيقية.. وفشل فى تحقيق معدلات النمو الاقتصادى التى تحققها الحكومات الجادة.. عليه أن يتحمل نتيجة فشله.. ونتيجة استعانته بالفاشلين.. ومن فشل فى وقف نزيف الاستيراد.. وأذل نفسه بالجرى وراء السلع الاستهلاكية الترفيهية بمليارات الدولارات.. فعليه أن يحمل هؤلاء السفهاء فاتورة سفاهتهم وتبذيرهم.. ومن فشل فى إطعام نفسه ولديه أطول نهر فى العالم.. و70% من طعامه يستورده من الخارج.. فعليه أن يقبل بشروط تاجر البندقية المرابى الجشع.. ولا يوجد أكثر جشعا من صندوق النقد الدولي.
لقد ظلت لعنة «تعويم الجنيه المصري» تطاردنا عبر العقود الثلاثة الماضية حتى أغرقتنا جميعا فى الديون الداخلية والخارجية.. وعندما أشرفنا جميعا على الغرق قررنا أن نعوَّم الجنيه.. والمثل الشعبى يقول: «إذا أتاك الغرق حط الجنيه تحت رجليك».. وها نحن وضعنا الجنيه تحت رجلينا ومسحنا به الأرض.. وصعد الدولار الأمريكى على جثته وتربع على القمة.
ووسط هذه الأزمة الطاحنة قررت الحكومة رفع سعر البنزين والسولار والمحروقات إلى الضعف.. فى توقيت جانبها فيه الصواب تماما.. وحتى لو كان قرار الزيادة صحيحا فإن توقيته خاطئاً تماما.. فالمثل يقول أيضا: «خبطتين فى الرأس توجع».. وهذه ليست خبطة واحدة ولا اثنتين.. فالخبطات ستتوالى على رأس الشعب المسكين من كل الجشعين والمستغلين.. فمن سائق التوك توك.. إلى سائق الميكروباص.. إلى المكوجى.. ومن بائع الخضار إلى بائع الفشار.. كل واحد سيحمَّل المستهلك المسكين فاتورة تعويم الجنيه.. وفاتورة رفع سعر المحروقات.. بل كل الفواتير الأخرى التى ستترتب على رفع سعر المحروقات.
فتوقيت اتخاذ القرار الصحيح.. فى الوقت الخطأ.. هو قرار خاطئ.. وكان يجب على الحكومة أن تتخذ بعض التدابير المهمة قبل أن تقدم على هذه الخطوات الانتحارية.. فزيادة أسعار البنزين والسولار.. ستشعل فى الأسواق النار.. وهذه التدابير التى كان يجب أن تتخذ قبل تحرير سعر الصرف أشك كثيرا فى توفرها الآن.. ومن أهم هذه الإجراءات التى كان من المفروض أن تتخذ قبل رفع سعر المحروقات وتحرير سعر الصرف هى:
ــ خفض النفقات الحكومية.. فالبذخ الحكومى مازال قائما على قدم وساق..
ــ وكان يجب أن تتم رقابة صارمة على الاقتصاد الموازى.. الذى يتمثل فى مصانع بير السلم.. ورصد دقيق لأصحاب الدخول الطفيلية الذين يستثمرون المليارات بلا ضرائب ولا رسوم، ولا يحزنون، وهى تمثل أرقاماً فلكية تقدر بالمليارات.
ــ وكان من الأحرى على أجهزة الدولة أن تتخلص من بؤر الفساد المتجذرة فى أجهزة الدولة منذ أربعة عقود.. فاستأسدت وتوحشت وتغولت على الأموال العامة للدولة. وعلى أراضيها.
ــ وكان يجب أن تتخذ العديد من الإجراءات الاحترازية والحماية الاجتماعية للحد من الانعكاسات السلبية للإصلاح على محدودى الدخل.
ــ كان من المفترض أن تكون هناك شفافية من الحكومة فى مكاشفة الشعب.. فحتى هذه اللحظة لم تعلن الحكومة عن برنامج الإصلاح المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي.. ولم يطرح على البرلمان لمناقشة تفاصيل هذا البرنامج حتى الآن.






