الثلاثاء 10 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
ترامب والحذاء

ترامب والحذاء






فى أجواء مشابهة لعام ٢٠٠٨، كان غالبية العرب يهللون لفوز باراك أوباما بدورته الرئاسية الأولى، وبعدها بأيام كانت صياحات التشفى تعتلى الصفحات الأولى وشاشات الفضائيات، فرحًا بالنصر المظفر على بوش الابن رغم نجاته من قذيفة منتظر الزيدى الذى حاول إصابة الرئيس الأمريكى المنتهية ولايته بحذائه فى مؤتمر صحفى على هامش زيارته الأخيرة للعراق.
يومها كتبت فى عمودى «قلم ولغم» بروزاليوسف، تحت عنوان «أوباما وواقعة الجزمة».. عفوًا أساتذتى الإعلاميين أوباما ليس المهدى المنتظر، وحذاء الزيدى لم يعد لبعث الأرواح لمئات الآلاف من الشهداء، ولم يضمد جراح ملايين الجرحى والمهجرين.
كان رأيى يومها ولا يزال، أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية وجماعات المصالح الصهيونية، ومافيا المال فى أمريكا هى التى تصنع الرؤساء، ويستدعى كلاً منهم وفقًا للمرحلة الجديدة من الخطة، فالاتيان ببوش الابن مرحلة أولى فى مخطط الاستيلاء على ثروات الشرق الأوسط بغزو العراق، ونهب ثرواته، واستهلاك رواكد السلاح بمخازن المصانع الأمريكية، فى حرب يدفع كلفتها العرب مثل الكويت.
قلت حينها: إن أوباما ليس المهدى المنتظر، بل ما هو إلا رئيس المرحلة الثانية من المخطط، أتى به المخطط الأمريكى لتفريغ شحنة الغضب فى الصدر العربى، وغسل الثوب الأمريكى الملطخ بدماء العراقيين من دنس إدارة بوش، وليتحقق الهدف كان اختيار شخصا اسمر البشرة من أصول إفريقية لكسب تعاطف الأفارقة، مع حديث عن أصوله الإسلامية لكسب المسلمين، ومع تهليل العرب بقذف بوش بالحذاء، هلل الجميع معتقدين أننا انتقمنا من بوش، وما كل ذلك إلا رغبة فى تأمين الأمن القومى الأمريكى وإزالة حدة العداء للمواطن الأمريكى ذاته، فبعد نهب الثروات جاءت مرحلة تحسين العلاقات.
وبعد ثمانى سنوات حدث ما توقعت ولم تتغير السياسة الأمريكية بمجىء أوباما، ظل الدعم للكيان الصهيونى، والأوضاع ازدادت سواء فى العراق، واستمرت مؤامرة تقسيم الوطن العربى، ولذلك أقولها لا تعولوا كثيرًا على ترامب، ولا تبالغوا فى مخاوفكم منه، فالسياسات الأمريكية لا تشهد انقلابات فجائية.
وكما كان بوش وأوباما رجال اختيرا بعناية لتوظيفهما وفق المرحلة، فإن ترامب اختير بعناية ليناسب المرحلة الجديدة، وما يشهده العالم من تغيرات فى قواعد اللعبة، والتحالفات، لم يكن مناسبًا لبقاء الديمقراطيين، بعد أن بات الاستمرار فى سياساتها بالشرق الأوسط مزيدا من الانحدار فى منحنى الفشل، وعدم القدرة على السير فى طريق الصدام مع روسيا وقوى عالمية، كما أنه من الصعب الانكسار لكن من السهل أن يظهر التراجع فى صورة سياسات ورؤية رئيس جديد، فكان ترامب.
ترامب الذى صعد من القاع سريعًا، لقمة الأهتمام العالمى، بدأ بتكتيك يمكن أن أسميه «الصاعقة التصريحية» فيصدم الرأى العام بتصريحات متطرفة للفت الانتباه، وشغل الرأى العام، ثم يتحول تدريجيًا خلال الحملة نحو الاعتدال، ليصل الذروة فى خطابه التالى لإعلان فوزه، ليظهر على حقيقته المناقضة لخطابه الدعائى.
فالحقيقة أن ترامب المرشح يختلف تمامًا عن ترامب الرئيس، فعند اعتلاء سدة الحكم يسير وفق مقتضيات متطلبات الحكم وأجهزة الدولة، وليس الشعارات الحنجورية، لنجده يأكل على الاهتمام بالتنمية والفقراء وقدامى المحاربين، وتوحد الشعب، وشكر منافسته هيلارى كلينتون وخدماتها الجليلة للوطن، رغم اتهامه لها منذ أيام بالفساد، كما لغته المتصالحية مع العالم والسعى المشتركات.
لكن هذا لا يعنى أنه لم يبذل وحملته مجهودا مضنيا فى المعركة الانتخابية، وفى رأيى وجه صفعة قوية للإعلام الأمريكى بحنكة، فمنذ البداية كانت وسائل الإعلام المرئى والمقروء منحازة لهيلارى، ومراكز قياسات الرأى العام تخرج بنتائج ترجح فوزها، فى سعى منها للتأثير على الرأى العام لتغيير اتجاهاته لصالح هيلارى، كان ترامب يغرد على تويتر ومواقع التواصل الاجتماعى، فقد استخدم الإعلام البديل فكان له النجاح.
الإعلام الأمريكى تعرى أليس هو ذات الإعلام الذى خدع العالم لتبرير غزو العراق؟! النتيجة ٫دائمًا هناك حقائق مخفية تناقض ما يرغب فى تصديره للرأى العام.