الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
وداعا كاسترو.. آخر الزعماء

وداعا كاسترو.. آخر الزعماء






رحل كاسترو عن تسعين عاما.. رحل آخر زعماء ثورات التحرر الوطنى.. وآخر زعماء الخمسينيات والستينيات.. رحل مناضل ظل اسمه يتردد على أسماعنا منذ كنا طلبة وشبانا صغاراً.. نتمثل نضالاته من أجل الحرية والعدالة.. والخير والجمال.. رحل واحد من زعماء العالم القديم ارتبط اسمه على مدى خمسين عاما وأكثر بالمناضل التاريخى الذى تحول إلى رمز وأسطورة.. صديق عمره أرنستو شى جيفارا.. وفيما كانت الأنظمة الشيوعية تتساقط فى العالم كله.. نجح الزعيم الكوبى فيدل كاسترو فى الحفاظ على الأعلام الحمراء ترفرف على أبواب عدوه الأكبر.. الولايات المتحدة الأمريكية.. قلعة الإمبريالية فى العالم.. صمد فيدل كاسترو خمسين عاما أمام الولايات المتحدة.. وأمام الحصار الاقتصادى الذى فرضته على بلاده.. واستمر نظامه حتى بعد أفول وسقوط الأنظمة الشيوعية فى الاتحاد السوفيتى.. صامدا فى مواجهة أمريكا الرأسمالية.
ظل كاسترو خلال خمسة عقود كالشوكة الحادة فى حلق بلاد العام سام.. ورغم جبروت الولايات المتحدة.. إلا أنه حافظ على بلاده وتمسك بنظامه الاشتراكى فى وقت كانت فيه كل النظم الاشتراكية يتهاوى أو يعدل من نظرياتها.. لتتواءم مع المتغيرات التى طرأت على العالم.. ولكى تتخلص أمريكا من هذا الرجل الصلب تعرض لمحاولات كثيرة من الاغتيالات والقتل.. ومن التدخلات الأمريكية وتحول الرجل إلى مثال ونموذج أمام بلدان وقيادات أخرى فى أمريكا اللاتينية وغيرها.. وربما يكون الرئيس الفنزويلى الراحل تشافيز أبرز مثال على اقتفاء أثر كاسترو فى سياسة المواجهة والتحدى.. وقد ذكرت عدة تقارير أن الولايات المتحدة دبرت أكثر من ستمائة مؤامرة لاغتيال كاسترو.. إلا أنه ظل فى سدة الحكم.. بينما تعاقب على حكم الولايات المتحدة تسعة رؤساء.
والغريب أن فيدل كاسترو كان ينتمى لعائلة ثرية.. ولكنه تمرد منذ صغره على حالة الترف التى كان يعيشها بعد ما صدم بالتناقض الكبير بين رغد العيش فى أحضان عائلته.. وبين قسوة العيش والفقر فى مجتمعه.. فحمل السلاح ضد الرئيس باتستا عام 1953 ــ وكان عمره 27 عاما ــ  على رأس أكثر من مائة من الثوار.. إلا أن محاولته احبطت وسجن هو وشقيقه راءول.. وبعد عامين صدر عفو عن كاسترو الذى واصل حملته لإنهاء حكم باتستا من المنفى فى المكسيك.. حيث شكل قوة مقاتلة عرفت بحركة 26 يوليو.. بعد أن انضم إليه جيفارا.  
وقد اجتذبت مبادئ كاسترو الثورية تأييدا واسعا فى كوبا.. وتمكنت قواته فى عام 1959 من الاطاحة بباتستا الذى أصبح نظامه يرمز إلى الفساد وعدم المساواة.. وتسلم كاسترو سدة الحكم.. وبعد انتصار الثورة قام بتكليف أحد الرأسماليين الذين تبنوا فكر الرئيس الأمريكى إبراهام لينكن.. وذلك لتفادى أى هجوم أمريكى على الثورة البكر كما حدث فى جواتيمالا.. وبعد أن سيطرت الثورة على كوبا بدأ بتأميم كل الصناعات المحلية. والمصارف وتوزيع ما تبقى من الأراضى على الفلاحين.. ولم تكد الولايات المتحدة تعترف بالحكومة الكوبية الجديدة حتى بدأت العلاقات بينها وبين كوبا تتدهور بعد أن أمم كاسترو الشركات الأمريكية أيضا.. وفى ابريل من عام 1961 حاولت الولايات المتحدة إسقاط الحكومة الكوبية من خلال تجنيد جيش خاص من الكوبيين المنفيين لاجتياح كوبا.. وتمكنت القوات الكوبية فى خليج الخنازير من ردع المهاجمين وقتل العديد منهم واعتقال ما تبقى.. بعدها بعام بدأت أزمة الصواريخ السوفيتية الشهيرة التى كادت تجر العالم إلى حرب ذرية.. وبدأت الأزمة عندما وافق كاسترو على نشر صواريخ روسية نووية فى بلاده على أعتاب الولايات المتحدة.. وأصبح كاسترو العدو رقم واحد بالنسبة لأمريكا.. عندما قرر الزعيم السوفيتى آنذاك نيكيتا خروتشوف أن ينشر صواريخ بالستية فى كوبة لردع أى محاولة أمريكية لغزوها.
وفى أكتوبر عام 1962 اكتشفت أمريكا منصات الصواريخ السوفيتية ما جعلها تشعر بالتهديد المباشر.. إلا أن الأزمة لم تطل كثيرا فى أعقاب توصل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى إلى تسوية.. يزيل بموجبها الاتحاد السوفيتى صواريخه.. مقابل تعهد أمريكى بعدم غزو كوبا وإزالة الصواريخ الأمريكية فى تركيا.. وبعدها أصبح كاسترو أحد النجوم اللامعة فى عصر الحرب الباردة.. وقد استقال فيدل كاسترو من رئاسة كوبا ومن قيادة الجيش فى 19 فبراير 2008 بعد صراع مع المرض. وتولى زمام السلطة من بعده شقيقه راءول كاسترو.. الذى نعاه فى بيان رسمى قائلا: «توفى القائد الأعلى للثورة الكوبية».