محمد بغدادي
فى وداع جميل شفيق
كنت اليوم الاثنين على موعد مع الصديق والفنان الكبير جميل شفيق.. لكى نلتقى بالأقصر.. حيث يستضيفه ملتقى الأقصر الدولى التاسع للتصوير.. ليشارك بأعماله الفنية الفريدة.. فقد سبقنا بالسفر مع فنانى هذه الدورة المميزة.. يوم الرابع عشر من ديسمبر الجاري.. واليوم كنا سنحضر حفل تكريم الفنانين المشاركين فى هذه الدورة.. وكان الفنان جميل شفيق من الفنانين الحريصين على حضور هذا الملتقى.. ولكن لم يمهله القدر ليكمل لوحته الأخيرة.. وفارق الحياة ظهر يوم الجمعة.. أثر نزلة برد حادة.. تاركا لنا فراغا فنيا قد لا يستطيع ان يشغله أحد غيره.
فالفنان التشكيلى جميل شفيق عاشق للرسم بالأسود على مساحات الفراغ المتسع بالأبيض.. كان هاجسه الأول هو العودة للحمية المفتقدة بين البشر.. وعالم الكائنات المتناثرة من حوله.. لذلك تميزت مفرداته بالعودة للطبيعة البكر.. رافضا العوالم المصنوعة من حوله بلا صدق.. وبلا روح.. أو حميمية.. فقد نجح جميل شفيق فى أن يخلق لعالمه مفردات خاصة جدا.. ذات حيوية من ناحية.. ورؤية فلكلورية ضاربة فى عمق التراث من ناحية أخري.. ففى أعماله مفردات ذات دلالات يلتقطها من الحياة.. كالحصان.. والمرأة.. وصلصال الطيور.. وهذه المفردات دائما ما تزين لوحاته.. ولكن نجدها تنطلق فى المطلق.. فى الهواء العاري.. حيث الحرية.. والسماء المفتوحة.. وهذه العناصر والرموز.. نجدها محبوسة فى برواز أسود ثقيل وكأنه جزء من اللوحة.. فعن هذه المشاعر المختلطة يرسم جميل شفيق.. يرسم الوطن فى حالة التردى.. فهو يرسمنا فى داخل القيود.. وإن كان يترقب أملا مجهولا.. فى صورة الطير.. لعله يكون الخلاص الذى سينطلق على جناح طيوره.. فهل هو طائر النورس الذى اعتبره «جان ككوتو» صوت الغير العائد.. أم هو طائر النار عند الشاعر «سان جون بيرس» حيث: يلتقط حبات النار من رئة المنتظرين.. لكنه يعود حاملا شمسا ومنارات.. إنها كائنات جميل شفيق المسكونة بالخرافة والتراث.. والسكينة المشحونة بترقب الانتظار للمجهول.
عرفت الفنان جميل شفيق عام 1978 عندما أنهيت خدمتى العسكرية بالقوات المسلحة كضابط احتياط.. غائب عن عالم الصحافة لسنوات طويلة.. فرحت اتلمس طريقى.. فى كل الصحف وقادتنى قدماى إلى دار التعاون.. وكنت أحمل معى بعض الرسومات والأعمال القديمة.. وفوجئت بإعجابه بها.. وطلب منى كتابة خطابا على الفور لرئيس مجلس الإدارة كطلب للتعيين.. وكنا فى شهر رمضان.. وقال لى: «بعد العيد ساكون سعيدا بانضمامك لأسرة دار التعاون الصحفية».. وكان الفنان جميل شفيق آنذاك مستشارا فنيا لدار التعاون.. وشاءت الظروف.. أن أعمل بمجلة صباح الخير.. بدار روزاليوسف قبل أن يأتى العيد.. بعد أن التقيت الفنان حسن فؤاد.. ومن يومها وانا اتابع فناننا الجميل «جميل شفيق».. كرسام صحفى.. وفنان تشكيلى من طراز خاص.. وككل الفنانين الذين عملوا بمهنة الصحافة.. الذين نسوا انفسهم والتهمت الصحافة سنوات عمرهم الجميل.. وأيضا أبعدتهم عن اللوحة بمفهوم الفن التشكيلي.. فأول معرض أقامه جميل شفيق فى أتيليه القاهرة كان عام 1989 حينما شجعه المثال والفنان عبد الهادى الوشاحى لإقامة أول معارضه فى أتيليه القاهرة.. والذى حضر افتتاحه الفنان الكبير حسين بيكار وأطلق عليه (إلياذة شفيق).
ورغم أن الصحافة تلتهم عمر وجهد الفنان التشكيلى.. إلا أنها لعبت دورا مهما فى حياة الفنان جميل شفيق.. فجعلته أكثر قربا من الناس.. وكيف يمكن أن يقدم لهم شيئا يفهمونه.. ولكنه مختلف.. فعندما تخريج الفنان جميل شفيق فى كلية الفنون الجميلة.. قسم التصوير.. عمل بالصحافة فى دار التعاون بالمجلة الزراعية.. فى ظل الحالة الثورية التى سادت المجتمع المصرى بعد ثورة يوليو 1952.. حيث بدا الحديث عن دور العمال والفلاحين هو أهم ما تطرحه الصحف آنذاك.. الأمر الذى كان يعنى الوصول إلى هذا الجمهور بأبسط الوسائل وأكثرها جذبا.. فخلق عمل الفنان جميل شفيق فى صحافة الفلاحين نوعا خاصا من المتعة.. حيث اتاحت له الصحافة فرصة لا تتكرر.. عندما خرج فى رحلات صحفية جاب فيها ربوع مصر كلها.. فأعطت هذه الرحلات الفنان جميل شفيق رصيدا ثريا.. حيث لعبت دورا إنسانيا وأساسيا فى حياته.. لأنه عاشها كصحفى وكفنان تشكيلي.. وهذه الذخيرة الإنسانية.. والحصيلة البصرية.. ظهرت بعدها بسنوات كثيرة.. فى معظم لوحاته.. ولكنه كما يرحل الفرسان ترجل فجأة عن حصانه الجامح العنيد الذى طالما زين لوحاته.. وغادرنا ببساطة وبلا ضجيج كما كان دائما.. وداعا عم جميل.






