محمد بغدادي
«مولانا».. بين الدين والسياسة!
نجح المخرج الكبير مجدى أحمد على بما لديه من رؤية سينمائية وخبرة واحتراف.. أن يعبر بنص رواية إبراهيم عيسى «مولانا» إلى بر الأمان.. وأن يقدم لنا فيلما جديدا يضاف إلى رصيده المتميز.. بهذا الإيقاع السريع.. ولغته البصرية الرائعة.. من خلال كتابته لسيناريو الفيلم عن رواية ضخمة.. ونصا يغلب عليه الموقف السياسى الخطابى الحاد.. والرؤية المستنيرة للدين عبر حوارات ومجادلات.. تطرح قضايا دينية شائكة.. يغلب عليها الخطاب الدينى والخلاف السياسى مع نظام مبارك بالتحديد.. حيث بدأ إبراهيم عيسى فى كتابة «مولانا» عام 2008.. بغض النظر عن متى أتمها.. ولكنها كتبت فى هذه الأجواء.. وعلى خلفية معارضته الحادة لمؤسسة الرئاسة بالتحديد.. وهذه الملابسات جعلت النص محصورا فى تلك الفترة.. وجعلت رؤية إبراهيم من التطرف والأصولية الدينية ابنة هذه الأجواء.. وهذا ما حاول أن يتغلب عليه سيناريو مجدى أحمد على.. فتناول الإسلام السياسى بفيلم بهذا الحجم عام 2016 بعد أن صُنفت جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي.. وظهرت داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية.. كان يجب أن يعاد النظر فى النص الروائى إجمالا.. فقبل 25 يناير.. كان النظام يقتسم المصالح والاقتصاد المصرى بينه وبين رجال أعماله ورموز جماعة الإخوان الكبار (مالك والشاطر).. والنظام يستخدمها كفزاعة.. وكانت جماعة (البهرة الشيعية) تمرح فى شارع المعز.. والقاهرة الفاطمية وتسهم بأموال طائلة فى ترميم الآثار المصرية التى تنتمى إلى الحقبة الشيعية.. قبل الدولة الأيوبية التى محت آثار فكرهم تماما.. ولم يكن هناك أى تناقضات تذكر بين نظام ما قبل 25 يناير والشيعة بطوائفها المختلفة.. وإقحام خلافات الشيعة على دراما الفيلم.. وإظهار هذا التناقض بينهم وبين الصوفية على خلفية أن شيخ الصوفية لديه معلومات (خطيرة!) تتعلق بمرض نفسى مصاب به شقيق زوجة ابن الرئيس أو الوريث الذى سيتولى الحكم بعد أبيه (إشارة إلى مشروع التوريث).. وهذه أولى نقطة الضعف فى النص.. أما النقطة الثانية والأكثر أهمية.. أن الفيلم لم يطرح لنا رجل الدين البطل.. كرجل دين مستنير.. يسعى إلى تنقية تراث الفقه الإسلامى من الشوائب التى علقت به عبر مئات السنين من التشدد والتأويل الخاطئ.. بل إنه ارتقى المنبر عبر صدفة إصابة (شيخ السلطة/أحمد راتب) بآلام مفاجئة قبل خطبة الجمعة.. حتى إن كان من قبيل التلخيص والتكثيف للأحداث.. ولكن الفيلم لم يبرز الشيخ المستنير قبل هذه الواقعة كرجل دين مستنير صاحب قضية يحارب من أجلها من قبل رجال الأمن.. ولولا أداء عمرو سعد بطل الفيلم وتميزه الرائع فى هذا الدور.. وقدرة المخرج مجدى أحمد على على تقديمه بهذه الصورة التى بدت كالسهل الممتنع لما أقنعنا بدوره المكتوب.
وأما النقطة الثالثة.. فإنه رغم عدم الإشارة بوضوح إلى الفترة الزمنية التى وقعت فيها أحداث الفيلم إلا أن كل التفاصيل تؤكد أنها فترة مبارك.. وفى رأيى أن إبراهيم عيسى لو قدر له أن يكتب هذه الرواية الآن.. بعد أن تولى الإخوان المسلمون الحكم لمدة عام.. وأظهروا الوجه الأسود للإرهاب بكل هذا الوضوح والسفور.. لكان له رأى آخر.. ولكتب نصا مغايرا تماما.. فمؤسسة الرئاسة كما يتناولها الفيلم.. تؤكد أن التطرف ابن بيت الرئاسة الشرعي.. وأنه لم (يتنصر).. بل (تطرف) وأصبح إرهابيا.. دون أسباب درامية مقنعة أغفلها الفيلم.. حتى إن كان مصبا بمرض نفسى.. وإن كان كما قال ابن الرئيس أنه (يكره الإسلام) فكنت أتصور أن هذه الجملة مفتاح الفرج للكاتب والمخرج.. فإذا كان يكره الإسلام إلى درجة الخروج منه.. فلا بد أن يكون السبب المنطقى التى يطرحه الفيلم عبر الأحداث المحلية والعالمية.. هى هذه الحروب الضارية التى تجتاح المنطقة العربية وهذه الجرائم والعمليات الإرهابية التى تقع باسم الإسلام.. والإسلام برىء منها.. وكان بالأحرى أن تكون كل هذه الدماء التى تراق باسم الإسلام تدفع هذا الشاب لأن يكره الإسلام ويخرج منه كما أشار ابن الرئيس فى أسباب استدعاء الشيخ المستنير ليعيده إلى صوابه.. ولذلك فزمن كتابة الرواية كان مختلفا.. حيث كان التطرف (ابن) مؤسسة الرئاسة أو النظام كما يشير الفيلم.. أو فسادها هو الذى صنع التطرف.. وأن تعاملها مع ملف التطرف والأصولية كان أمنيا فقط.. ولذلك استشرى التطرف إلى أن تحول إلى إرهاب أسود.. والآن مؤسسة الرئاسة تخوض حربا شرسة ضد الإرهاب والتطرف.. وهنا يجب أن نشير إلى أداء أحمد مجدى الرائع لدوه المتميز.. وللحديث بقية إن كان فى العمر بقية.






