الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
«مولانا».. على طريقة «التوك شو»!

«مولانا».. على طريقة «التوك شو»!






استعرضنا الأسبوع الماضى فى هذه الزاوية ملاحظاتنا حول فيلم «مولانا».. بين الدين والسياسة.. ونكمل اليوم بعض هذه الملاحظات حول حوار الفيلم.. حيث يزج الحوار بمجموعة من المعلومات التاريخية والقضايا الدينية التى أوردها إبراهيم عيسى فى سياق الفيلم وكأننا نشاهد برامجه السابقة «الله أعلم» و«الرائعان» و«الرائعتان» فبدت كأنها مقحمة على العمل السينمائى.. وأصبحنا أمام مكلمة حقيقية تم دسها فى حوار فيلم من أجل رغبة شخصية لإعادة طرح نفس القضايا التى أثارها من قبل فى برامجه.. ولكن تحولت هنا إلى مشاهد خطابية مباشرة.. الأمر الذى جعل كاتب السيناريو المتمكن من أدواته السينمائية المخرج مجدى أحمد على يضطر إلى أن يتنازل عما كتبه ليتوافق مع الحوار الذى يأتى دائما فى مرتبة تالية.. بعد كتابة التتابع.. لكن عيسى.. جعل من الكلام بطلاً لفيلمه السينمائى وكأننا أمام مسلسل فى الإذاعة.. حتى بدت القصة نمطية للغاية دون أى جديد سوى اقحام بعض المعلومات التاريخية والدينية فى الحوار.. بدت مباشرة لدرجة موجعة لا تليق سوى بالفن المدرسى التعليمى أو الصحافة اليومية.
حتى إن المخرج الكبير مجدى أحمد على.. صاحب «يا دنيا يا غرامى» و«خلطة فوزية» و«أسرار البنات».. بعيد للمرة الأولى عن عالمه الذى قدم فيه أفضل أعماله.. وكأنه يعجز لأول مرة عن السيطرة على أداء ممثليه لدرجة أننا رأينا (إفيهات) إبراهيم عيسى التى يستخدمها فى برامجه.. وبطريقته.. وربما أحيانًا بضحكته على لسان بطل الفيلم عمرو سعد الذى تأثر للغاية بالكاتب.. وبدا المخرج مستسلما لشروط الكاتب.. وبالتالى.. لعب كل ممثل فى الأدوار الفرعية.. بشخصيته واجتهاده الذاتي.. فرأينا أحمد راتب تماما كأحمد راتب فى كل الأدوار المشابهة.. وصبرى فواز كصبرى فواز.. وغيرهما فاجتهد الممثلون كل بطريقته.
حتى التفاصيل السينمائية الصغيرة التى صنع بها مجدى أحمد على أفلامه السابقة بدت غائبة عن أدواته السينمائية فى هذا الفيلم.. وبدت الفنانة درة وكأنها عالة على الفيلم من خلال دورها الباهت.. الذى بدا بلا روح او ملامح محددة للشخصية.. أما الشخصيات الفرعية الصغيرة فقد أدت ما عليها فى حدود المتاح.. وفى حدود فقر الحوار وتحولها لمباراة كلامية.. فصناعة شخصية درامية من لحم ودم تتطور مع الأحداث.. عمل فنى يحتاج إلى تاريخ ومقومات للشخصية أما تلك الشخصيات المسطحة التى رأيناها فى فيلم “مولانا” فكانت عبارة عن أدوات لنقل رأى الكاتب إلى الشاشة عنوة.. محاولة لاستعراض أكبر كم ممكن من القضايا والمعلومات (مثل حشر فتوى ارضاع الكبير) يبدو مراهقًا وساذجًا للغاية ولا يليق بقيمة صناع الفيلم.
فعندما تقدم قصة نمطية يعرف المشاهد بدايتها ونهايتها فأنت غير قادر على إدهاشه فإما أن تعطيها عمقاً بالتفاصيل الكثيرة.. وبحبكة درامية محكمة البناء.. وإما أن تبحث عن قصة أخرى.. فلا النوايا الطيبة.. ولا حشد النجوم يصبح كافياً لصناعة فيلم جيد.. أما تلك الأفلام التى تمت كتابتها وصياغتها من أجل تصفية الحسابات.. فتظل مرتبطة بأحداث محددة.. وتتم شخصنة قضاياها.. فإنها تموت قبل أن ترحل عن دور العرض.. تماما مثل برامج التوك شو التى ملأت شاشات التليفزيون.
أما استعراض القضايا الدينية التى صارت نموذجا للقضايا الخلافية بين المستنيرين من الدعاة.. والمتشددين.. وبعضها كان محل انتقاد شديد من بعض المستشرقين.. مثل قضية «زينب بنت جحش» زوجة الصحابى الجليل «زيد بن حارثة» الذى كان الرسول قد تبناه فى بداية حياته.. والذى طلق زوج.. فتزوجها الرسول عليه الصلاة والسلام.. فجاءت مبتسرة.. فأثارت من الجدل أكثر مما أثارته من الإيضاح وتصحيح المفاهيم وشرح القضايا.. وإنما جاء ذكرها على هذا النحو المخل لاستعراض المعلومات الدينية التى تداولها الكثيرون منذ أن شرحت ملابساتها بدقة الدكتورة «بنت الشاطئ» بوضوح تام فى كتابها الممتع «نساء الرسول» ردا على ادعاءات المستشرقين وتقولاتهم.. والتى نشرته فى مطلع الستينيات من القرن الماضى لترد به عليهم.. والحكمة من زواج الرسول بها بعد ان طلقها زيد بن حارثة.. هى اباحة الزواج من زوجة الابن بالتبني.. فنزلت الآية الكريمة لتوضح ذلك: «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً».