محمد بغدادي
الفساد.. والإرادة السياسية
ظللنا لأربعة عقود نكافح الفساد على الورق، عبر آلاف المقالات النارية المستغيثة بكل الضمائر الحية، وعبر ملايين التحقيقات الميدانية، بالوثائق والصور والمستندات الدامغة، وأخذنا نحذر كل مسئول وطنى شريف فى الحكومات المصرية المتعاقبة، ونصرخ بعلو الصوت، أنقذونا من الفساد والفاسدين والمفسدين، وعن نفسى كتبت هنا وفى مجلة صباح الخير، ومجلة روزاليوسف، وجريدة المصرى اليوم، وأصدرت كتابا كاملا عام 2009 بعنوان «فيه حد نجس فى العربية»، عن وقائع فساد محددة بالوثائق والمستندات، التى كان يقدمها لنا مواطنون مخلصون ومتطوعون جادون فى القضاء على الفساد، أو مواطنون شرفاء وقع عليه ظلم بيِّن، وشردوا وأهينوا وتعرضوا للتهديد بالسجن والقتل وتشريد أبنائهم، ولكنهم ناضلوا وقاوموا وصمدوا، وتحدثوا وأفشوا أسرار صفقات الفاسدين، مثلما فعل المواطن الشريف البطل المهندس والصديق يحيى حسين عبد الهادى منسق حركة «بيع مصر» ومفجر أسرار صفقة بيع سلسلة محلات عمر أفندى للمستثمر السعودى جميل عبد الرحمن القنبيط، وتعرض للفصل من وظيفته، وقدم للمحاكمة بتهمة إفشاء أسرار الدولة، ورغم ذلك صمد وكشف الفساد، ونجح فى استرداد الشعب المصرى لمحلات عمر أفندى.
إلى هذا الحد كان تنظيم الفساد أقوى تنظيم فى مصر، وقد قلت هذه العبارة بشجاعة للرئيس الأسبق حسنى مبارك، فى أحد لقاءاته بالأدباء والكتاب فى افتتاح معرض القاهرة الدولى للكتاب فى يناير عام 2004، وكانت كل القضايا لا يلتفت إليها، وكان المواطنون الشرفاء يلجأون للقضاء، وكانت القضايا فى أغلب الأحوال تحفظ، أو يتعرض صاحب الحق وكاشف الفساد للأذى، أو التنازل عن القضية، ونادرا ما ترد الحقوق لأصحابها.
وكل ذلك كان يحدث تحت سمع وبصر النظام الحاكم، وكنا نحن نصاب بالقهر وحرق الدم، ولا حياة لمن تنادي، لأنه لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية ــ آنذاك ــ فى القضاء على الفساد، حيث كان هناك رموز وقيادات وأباطرة بعينهم من قيادات النظام الحاكم كانوا ضالعين فى عمليات الفساد الكبرى، وكانت هناك مجموعات منظمة من كبار وصغار الموظفين فى الدولة يقومون بترتيب واتمام هذه الصفقات الفاسدة، أطلقت عليهم فيما مضى (الثعالب الصغيرة).
ولكنني، وكثيراً من المواطنين، يستشعرون الآن مدى الجدية فى القضاء على الفساد، ولولا أن هناك إرادة سياسية حقيقية، ورغبة أكيدة من الرئيس عبد الفتاح السيسى شخصيا فى القضاء على الفساد، لما شهدنا هذه الحملة الكبرى التى يقودها جهاز هيئة الرقابة الإدارية للقضاء على الفساد بحسم وحزم وإصرار، فكثير من ملفات الفساد كانت موجودة تحت أيديهم ولكن كانت هناك توجيهات عليا ــ فيما مضى ــ بالتغاضى عن هذا، والتراخى عن ذاك، ومن هنا كانت كل قضايا الفساد لا ينظر إليها بجدية، لأنها كانت تفتقد الإرادة السياسية الحقيقية.
وليس أدل على ذلك سوى ما صرح به رئيس هيئة الرقابة الإدارية محمد عرفان، منذ أيام حين قال: «هناك إرادة سياسية فى مصر لمكافحة الفساد بقوة، لافتًا إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسى منح الضوء الأخضر للهيئة للانطلاق نحو القضاء على الفساد»، وأوضح عرفان ــ خلال حديثه لبرنامج (مساء dmc) ــ أن هناك تنسيقا كاملا بين هيئة الرقابة الإدارية وجميع مؤسسات الدولة لاسيما الجهاز المركزى للمحاسبات والنيابة العامة، مؤكدا: «أن هناك تفهما كبيرا من النيابة العامة للمتغيرات الحديثة التى طرأت على المجتمع المصرى فيما يختص بضبط وقائع الفساد»، مشيرًا إلى أن هناك تقسيمًا كاملا للعمل بين الأجهزة الرقابية بناء على تعليمات الرئيس عبد الفتاح السيسي.
خاصة أن هناك «إرادة رئاسية لمواجهة الفساد بكل قوة، مؤكدا أن هناك تنسيقا كاملا من أجل التكامل وتبادل المعلومات من أجل مصلحة العمل السليم وهناك تواصل بين الرقابة الإدارية وكل الأجهزة الرقابية فى الدولة وخاصة الجهاز المركزى للمحاسبات».
وقال رئيس هيئة الرقابة الإدارية واعدا الشعب المصرى بمواصلة العمل بقوة وبدعم الرئيس عبد الفتاح السيسى الذى أكد أنه لا حدود فى مواجهة الفساد ومنح كل الصلاحيات، قائلا: «إننا فى عهد جديد، عهد يتحمل المسئولية وستتم مواجهة الفساد بكل قوة»، ونتمنى أن تستمر الحملة ولا تتوقف لتطال كل الفاسدين فى المحليات الذين يمنحون التراخيص بالمخالفة بالبناء والتوسع فى العشوائيات، فهؤلاء هم المسئولون، أولا وأخيرا، عن تشويه وجه مصر الحضاري، أعان الله جهاز الرقابة الإدارية فى مكافحة جيوش الفساد والمفسدين فى كل مكان فى مصر.






