محمد بغدادي
فى ذكرى صلاح جاهـين
منذ يومين احتفلنا بذكرى أمير شعراء العامية صلاح جاهين.. فأخذتنى الشجون ورحت أتذكر... هل كان كثيرا علينا أن نغنى معك حتى نهاية الرحلة.. أو حتى نبلغ الأمل.. ونرى أحلامنا التى زينتها أغنياتك على مرمى البصر.. حلوة مترعة بالفرح الإنسانى الجميل.. هل كان كثيرا علينا أن نرتقى معا درجات القمة.. وتبتهج قلوبنا ونحن نردد معك نشيدك الحلو.. ونحن نزرع راية العرب خفاقة على قمة العالم:
حول على فوق، زى الســـد ما طـالع على فوق
الخير بيجيب الخير، والفرحة دى كانت شـــوق
الشعب العربى رمى قــــيوده وخرج من الطـوق
طــــالع، طــــالع للقـمة وبيـزرع فيـها الـرايــــة
لم تكن الأمنيات صعبة ولا مستحيلة.. وربما كنا على يقين بأنها ستتحقق أو أوشكت على التحقق.. حتى وإن بدت بعضها بعيدة المنال.. إلا أننا كنا نستشعر القوة والعزة والكرامة التى ستدفعنا بعيدا عن أى إخفاق.. لم يكن أحد منا مخدوعا – لا هو، ولا نحن – كان كل شىء فى المشهد صادقًا تماما.. إذ كان كل ما يحدث حولنا يؤكد ذلك.. هنا.. فى كل بلاد الدنيا.. فى الصين.. وكوبا.. والهند.. وفيتنام.. والجزائر.. وأفريقيا وسطها.. كانت بشائر ثورات التحرر تأتى من كل مكان لتؤكد لنا أن العالم كله قد انتفض.. وأن الشعوب المغلوبة على أمرها هبت ثائرة مندفعة نحو الحلم.. كان صلاح جاهين يجسد كل هذه الأحلام فيما يقدمه لنا من أشعار وأغنيات ومسرحيات ورسوم تضج بالثورة.. وتعدنا بالأجمل الآتى بلا ريب أو ظنون.
عرفت صلاح جاهين قبل أن التقى به.. من خلال رباعياته التى بدأت تظهر على صفحات مجلة «صباح الخير» فى منتصف عام 1959.. وبعدها أدمنت رباعياته التى كنت أتلقفها صباح كل خميس .. فأحفظها بعد قراءتها من أول مرة وأتابع رسومه الكاريكاتورية مأخوذا بجرأتها وأفكاره المبتكرة وقدرته العجيبة على إجادة الإبداع والتفرد فى الشعر والرسم معا.. وبعد قليل ملأت أغنياته الوطنية أسماعنا فحفظناها وتغنينا بها.. وأسهمت كلماته الوطنية فى تكوين وجدان كل أبناء جيلنا.. ولم يكن فى حسبانى يوما ما أن ألتقى بصلاح جاهين وجها لوجه.. وأراه عن قرب.. وأدخل بيته وأتعرف عليه وأجالسه وأحاوره.. فى جلسة تاريخية جمعت بيننا بصحبة اثنين من رؤساء تحرير مجلة «صباح الخير» السابقين: (الأستاذ لويس جريس والأستاذ رءوف توفيق).. وكنا فى ديسمبر عام 1980 نستعد لإصدار ملحق خاص بمناسبة عيد ميلاد صلاح جاهين الخمسين.. وامتد بنا الحوار أكثر من أربع ساعات متواصلة.. تبادل خلالها أبناء جيله – لويس جريس ورءوف توفيق – الذكريات والنوادر.. ومشاعر الود والشجن.. وكنت أجلس بينهم كالغريب مأخوذا بهذا الجو الإنسانى البديع.. وعندما جاء دورى فى الكلام.. أدرت جهاز التسجيل.. وكان بداخلى مجموعة من الأسئلة التى كتبتها بعناية تلميذ استعد لمحاورة أستاذه.. وكانت تحمل عتابات قاسية .. وتمردًا واضحًا على أستاذ علمنا الوطنية ثم تركنا فى عرض البحر نسبح ضد التيار.. نقاوم كل موجات الارتداد بحثا عن شاطئ للأمان حلمنا به كثيرا معه ولكننا فقدناه فى ظروف غامضة.. كنت أظن أن أسئلتى الصادمة.. ستخرج عم صلاح من حالة الشجن التى كان يعيشها مع جيله.. وربما يضطر لإنهاء المقابلة غاضبا .. أو معاتبا أصدقائه لأنهما اصطحبا معهما فتى مشاكسا ليس لديه لياقة فى إدارة الحوار مع شخص بقيمة وتاريخ صلاح جاهين.. ولكننى فوجئت بأن عم صلاح كالمحيط العميق يأخذ أمواجى الثائرة المتلاطمة ويحتويها ويبتلعها فى أعماقه بهدوء عجيب .. ويرتد إلى شطآن أسئلة جيلى الغاضب والمحب.. فقد كان غضبنا منه غضب المريدين العاشقين لقطب من أقطاب الوطنية المصرية.. وفوجئت بأننى أمام شخصية إنسانية شفيفة الحزن.. ذو روح طيبة مسالمة عذبها الألم وأسخنتها الجراح.
وأفقت من الحلم الجميل.. وأنا أفرغ شرائط التسجيل وأكتب: «خمسون عاما من الانبهار والدهشة فى أشعار صلاح جاهين».. ونشر الموضوع على خمس صفحات.. وفوجئت بالأستاذ لويس جريس يطلبنى فى مكتبه ويضع فى يدى سماعة التليفون هامسا: «كلم عمك صلاح عايز يشكرك لأن الموضوع عجبه جدا».. وأثنى عم صلاح على الحوار والمعالجة الصحفية لكتابته.. وطلب منى أن أزوره.. وحدد لى موعدا.. ولم أكن أدرى أن هذا اللقاء كان بداية صداقة ممتدة منذ تلك اللحظة حتى يوم رحيله.. وأن هذه الصداقة نتج عنها ثلاثة كتب نشرتها عن الفنان الإنسان صلاح جاهين.






