محمد بغدادي
الله لا يحتاج لحماية من البشر
«يا شعب مصر الحبيب، السلام عليكم، بقلب فرح سأزور وطنكم العزيز، مهد الحضارة وهبة النيل وأرض الشمس والضيافة، حيث عاش الآباء البطاركة والأنبياء وحيث أسمع الله صوته لموسى».. بهذه الكلمات البليغة قطع البابا فرانسيس شك التزامه بزيارة مصر بعد الاعتداءات الأخيرة.. بيقين الإصرار على زيارة الأرض التى زارتها العائلة المقدسة.. كما جاء فى كلمته المصورة التى أذاعها الفاتيكان قبل أن يتوجه للقاهرة يومى الجمعة والسبت الماضيين.. ومن هذا المنطلق تأتى أهمية زيارة قداسة البابا فرانسيس بابا الفاتيكان.. وفى هذا الوقت بالتحديد.. وبعد ضربتين موجعتين وجههما الإرهاب الأسود لكنيستين كبيرتين إحداهما كنيسة الكرازة المرقسية بالإسكندرية.. التى كان بداخلها قداسة البابا تواضروس أثناء إقامته قداس عيد الشعانين فى أحد السعف.. وكانت هناك أصوات عديدة طالبت بابا الفاتيكان بإلغاء زيارته لمصر.. التى جاءت بدعوة من الرئيس السيسي.. خشية تعرضه لمكروه.. وتشكيكا فى قدرات الأمن المصري.. لكن البابا كان مصراً على زيارة مصر.. حتى أنه أكد عدم استخدامه سيارة مصفحة للتجوال فى الشوارع.. وجاء البابا لمصر فى موعده.. حيث جاءت زيارته فى توقيت عبقري.. لتبعث رسالة طمأنينة وسلام للعالم.. وتدعو للثبات وعدم الوقوع تحت تأثير الخوف من الهجمات الإرهابية.. وأعتقد أن هذه الزيارة أقوى حملة ترويج للسياحة المصرية شهدتها مصر.
ولكن أهم من كل هذه الأسباب فإن القيمة الحقيقية التى انطوت عليها هذه الزيارة.. هو هذا القدر العظيم من الحب والتقدير والإجلال الذى يكنه قداسة البابا لقيمة مصر.. وقياداتها السياسية والدينية.. وشعبها العظيم.. حيث بدأ هذا المعنى بوضوح فى كلماته الصادقة والبليغة التى ألقاها فى كل لقاءاته.. فهو يعرف عن بلادنا ما لا يعرفه كثير من المتشدقين بحب مصر.. ويعلم عن سماحة ديننا ما لا يعلمه كثير من المدعين والمتأسلمين.. ولعل تلك الكلمات التى أعدت بعناية تعكس هذا المعنى.. حيث قال قداسته:
«إنى لسعيد أن أكون فى مصر، أرض الحضارة النبيلة والعريقة، والتى حتى اليوم يمكن الانبهار أمام آثارها التى تصمد، فى هيبة وجلال، وكأنها تتحدى العصور. إن هذه الأرض تعنى الكثير لتاريخ البشرية ولتقليد الكنيسة، ليس فقط من أجل ماضيها التاريخى العريق - الفرعونى والقبطى والإسلامى - إنما أيضًا لأن العديد من الآباء البطاركة عاشوا فى مصر واجتازوها فى الحقيقة، قد ورد اسم مصر مرات عديدة فى الكُتب المقدسة، ففى هذه الأرض أسمع الله صوته، وكشف عن اسمه لموسى النبي، وفوق جبل سيناء أودع الرب شعبه والبشرية الوصايا الإلهية، وعلى أرض مصر وجدت ملجأ وضيافة العائلة المقدسة، يسوع المسيح ومريم العذراء ويوسف النجار».. إنه يعرف قدر مصر وقدرها، حيث أكمل قائلا:
«إن الضيافة التى قدمت بكرم منذ أكثر من ألفى عام خلت، تبقى فى ذاكرة البشرية بأسرها، وهى مصدر للعديد من البركات الممتدة حتى اليوم. إن مصر، إذا، هى الأرض التى، بشكل ما، نشعر وكأنها أرضنا جميعًا! كما تقولون أنتم: «مصر أمّ الدنيا» وهى، حتى يومنا الحاضر، ترحب بالملايين من اللاجئين القادمين من بلدان مختلفة».. ويواصل حديثه عن تاريخ مصر العظيم فيقول:
«إن مصر، بسبب تاريخها وموقعها الجغرافى الفريد، تلعب دورًا لا غنى عنه فى الشرق الأوسط وبين البلدان التى تبحث عن حلول للمشاكل الملحة والمعقدة التى تحتاج إلى معالجة فورية، لتفادى الانحدار فى دوامة عنف أكثر خطورة. أشير هنا إلى العنف الأعمى وغير الإنسانى الناتج عن عدة عوامل: الرغبة الجامحة للسلطة؛ وتجارة الأسلحة؛ والمشاكل الاجتماعية الخطيرة والتطرف الدينى الذى يستخدم اسم الله القدوس لارتكاب مجازر ومظالم مريعة».. إنه يعلم أن المتحدثين باسم الدين ممن منحوا أنفسهم حقوقا الإلهية هم كاذبون.. فيقول فى رسالة بليغة:
«علينا جميعا أن نُعلِّم الأجيال الجديدة أن الله، خالق السماوات والأرض، ليس بحاجة إلى حماية من البشر بل، على العكس، هو الذى يحمى البشر؛ وهو لا يرغب مطلقًا فى موت أبنائه بل فى حياتهم وسعادتهم؛ وهو لا يمكن له أن يطلب العنف أو أن يبرره، إنما، على العكس، يرذله وينبذه. إن الإله الحقيقى يدعو للمحبة غير المشروطة، وللمغفرة المجانية، وللرحمة، وللاحترام المطلق لكل حياة، وللإخوّة ما بين أبنائه، مؤمنين كانوا أو غير مؤمنين»... حقا إنه من رجل عظيم.






