محمد بغدادي
برج الأزاريطة المائل!
العالم كله به سبع عجائب.. ومصر كانت تنفرد بعجيبتين.. أهرامات الجيزة وفنار الإسكندرية.. وقد هدم الفنار فى زلزال قديم فسقط وغرق فى البحر.. أما الأهرامات فمازالت قائمة تتحدى الزمن.. ولكن بعض الفاسدين فى أجهزة الحكم المحلى بسم الله ماشاء الله ــ قادرين على إنتاج عجائب جديدة كل يوم.. ولكنها أكثر إثارة.. وأشد إعجازا من عجائب الزمن القديم.
ففى فجر الخميس الماضى مال أحد العقارات المكون من 13 طابقا على العقار المقابل له فى شارع على الخشخانى، فى منطقة الأزاريطة بالإسكندرية، وأوضح المحافظ أنه تم فتح باب التحقيقات حول واقعة العقار المائل، مؤكدا أنه سيتم تحويل جميع المقصرين والمتسببين فى ذلك للمساؤلة القانونية والمحاكمة الفورية. ونتمنى ألا يكتفى بمحاكمة المتسببين فى هذه الكارثة المخجلة لأمة عريقة كان أجدادها هم أول البنائين العظام فى العالم، فأهرامات الجيزة قائمة فى إعجاز علمى وهندسى تتحدى الزمن منذ خمسة آلاف سنة، فالأمر يتطلب ـ بالإضافة إلى العقاب الجنائى ـ تغريم من تثبت إدانتهم بإعادة بناء العقار على نفقتهم الخاصة طبقا للمواصفات الهندسية، والارتفاعات المناسبة لعرض الشارع، وتعويض جميع السكان المتضررين بمبالغ مالية توازى ما دفعوه من أموال بسعر اليوم، قبل تعويم الجنيه.
فهناك تواطؤ أكيد بين مجموعة من الفسدة أدت إلى هذه الكارثة، فالمهندس على مرسي، رئيس حى وسط الإسكندرية، يؤكد أن قرار الإخلاء جاء قبل بدء ميل العقار الملاصق للعقار المتهدم، وأن الميل حدث فى نحو الساعة الثانية صباحاً، وأن العقار المائل صادر فى حقه 3 قرارات إخلاء، وفى الأصل بُنى عام 2003 بترخيص لــ 3 طوابق إلا أن مالك العقار خالف القرار ووصل إلى الطابق الــ 13، وكل هذا تم دون رقابة أومحاسبة أو مراجعة من مهندسى التنظيم، ولا من إدارة تراخيص البناء.
والرأى الفنى الصادر من متخصص هو الدكتور صلاح هريدى، أستاذ العمارة فى كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، يقول: «ما حدث هو من مظاهر ضعف السيطرة على تراخيص العقارات.. فعرض الشارع لا يسمح بارتفاع العقار، بل يؤكد مخالفته، والسبب الرئيسى وراء ميل المبنى هو ضعف الأساسات، فالأساسات كانت لثلاثة أدوار فقط ولم تكن بالعمق المناسب»! ولو صح هذا الافتراض فمعناه أنه لا توجد أساسات من الأصل يمكن أن تتحمل 13 طابقا فى شارع عرضه لا يزيد على 6 أمتار! فالأساس أكثر أجزاء المبنى تكلفة.. وبالتأكيد كان هناك لعب يصفه المهندس «هريدى» بالتواطؤ من بعض المهندسين فى الأحياء، والذين يتغافلون عن متابعة مثل هذه العقارات، واضح أن الناس كانوا شغالين على كيفهم!
وقد كتبت منذ أسابيع قليلة هنا وفى هذه الزاوية، عن «الفساد والإرادة السياسية» مؤكدا أن الحملة المكثفة للقضاء على الفساد تؤكد أن وراءها إرادة سياسية جادة وقوية، فإذا كانت الإرادة السياسية موجودة وقائمة ومصممة على اجتثاث الفساد من جذوره، فإن المحليات كانت ومازالت هى المسئولة عن كل العشوائيات التى نعانى منها الآن، ومسئولة عن تعلية الأدوار بالمخالفة، وعن تصاريح البناء المضروبة، وعن كل التشوهات التى تسود الشارع المصري، ويجب على الحكومة أن تضرب بيد من حديد على كل مظاهر الفساد بالمحليات، وكفانا تهريجا، فسمعة مصر فى هذا المجال باتت فى الحضيض، وعلينا أن نراعى ضمائرنا ونتقى الله فى أمتنا وتاريخها العظيم.
ومن شدة درامية الموقف تحول إلى كوميديا سوداء، الأمر الذى دفع الزميل وائل الإبراشى بأن يصرح من خلال برنامجه العاشرة مساء: «برج الأزاريطة المائل معجزة.. العالم كله بيتكلم عنها.. وأن هناك وفودا سياحية طلبت أن تزور العمارة المائلة.. أنا بقول نخليها مزارًا سياحى!».
ففى إيطاليا عجيبة واحدة من عجائب الدنيا السبع.. بمدينة بيزا فى ولاية توسكانا.. حيث يقع برج بيزا المائل الذى بدأ بنائه فى أغسطس عام 1173 وبدأ فى الميلان بعد البدء فى بناءه وعُرف باسم برج بيزا المائل لوجود ميلان به وانحراف عن المستوى العمودي.. يقدر بــ (5.5 درجة).. ولكنه رغم مرور أكثر من 850 سنة على بناء هذا البرج إلا أنه لم يسقط على وجهه.. ولم يمل على المبانى المجاورة له حتى الآن! رغم أن كتلته تقدر بــ (14,500 طن).






