الأربعاء 11 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
بنت «الكفاح» و«الأكرمين»

بنت «الكفاح» و«الأكرمين»






لم تكن «مريم»، الجالسة جوار الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى المؤتمر الرابع للشباب، إلا ثمرة كفاح عائلة مصرية أصيلة، ولم يكن تقبيل الرئيس لرأس ياسين الزغبى واحتضانه، إلا نتيجة للتحدى.
فى مصر الضاربة بجذورها فى عمق التاريخ، بامتداد سبعة آلاف عام، جينات حضارة تتوارثها الأجيال، آباء وأمهات عظماء كرماء، فبقدر الامتلاك والعطاء يقيم الكرم.
العم «فتح الباب»، مواطن مصرى بسيط، ضاقت به الحال فى محافظته الفيوم، عندما ضاقت رقعة الأرض الزراعية، لأسباب عدة بينها البناء الجائر، وتزايد السكان.. بحث عن باب رزق بالقاهرة، عمل حارسًا لعقار، كان بإمكانه أن يقحم أبناءه فى أعمال بسيطة لمساعدته، لكنه اقتطع من قوته المحدود ليطعمهم ويعلمهم، وكان كريمًا معهم، «مش ممكن أهين أبنائى، عاوزهم يتعلموا، ويكون حظهم أفضل منى، أقطع من لحمى وأعطيهم».
هذه العبارة سمعتها كثيرًا من آباء عظماء فى ريف مصر، يعملون فى فلاحة الأرض، بعضهم لا يمتلك حيازة زراعية ويقتات من العمل باليومية، هؤلاء يقدمون للوطن شرفاء متفوقين مثل «مريم»، التى حصلت على المركز الأول بالثانوية.
هؤلاء البسطاء من الرجال رمز للكفاح، وخلف كل رجل مكافح تقف زوجة مناضلة تربى، وتغرس القيم فى النفوس، تروى الطموح، تراقب وتحفز، لم تدرس علم نفس ولا علوم الشريعة، ولم تسمع بالتحفيز الإيجابى، لتنتج لنا عظماء نافعين لمجتمعهم ووطنهم.
سيدات فضليات بسيطات، يأخذن من الدين جوهره، يؤدين الفروض، يحفظن حق الجيرة، ويتمتعن بيقظة الضمير، مسلمة كانت أو مسيحية، صديقات، متكاتفات فى المسرات والملمات.. وبقدر التقوى وكرم الآباء - التقوى الفعلية وليست المظهرية - يكون نجاح الأبناء.
«ياسين الزغبى»، شاب قهر إعاقته، لم ير فى فقدان قدمه ما يعوق حياته، ولا تنفيذ فكرة، وإن كانت قضاء حوائج الناس، بجولات يجمع فيها طلبات بسطاء لنقلها للرئيس.
«مريم»، تربت فخرجت سوية نفسيًا، لا ترى فى ضيق الحال عيبًا، تفخر بوالدها الكريم، وأسرتها المترابطة، وهى مدعاة للفخر، بينما هناك الكثير من الأثرياء، الذين يفشلون فى تربية أبنائهم، ينفقون الملايين على المدارس والجامعات الخاصة، ومع ذلك يخرج الأبناء ساخطين على كل شىء، طموحاتهم الاستهلاكية تتضاعف، وهناك بسطاء أيضًا افتقروا روح التحدى، التى يمتلكها آلاف الأسر التى خرّجت أجيالًا نافعة لمجتمعاتهم، هؤلاء الآباء البسطاء، أكرم الأكرمين، يجودون بكل ما يمتلكون من أجل أبنائهم، فقراء بقياسات المال، أثرياء جدًا بمقياس القيم والمبادئ والضمير والإيمان الصحيح، فعلوا واجبهم من أجل ارتقاء أبنائهم اجتماعيًا، أملًا فى أن تكون أحوالهم أفضل ومستقبلهم أجمل، ومعاناتهم فى الحياة أقل.
كثيرًا ما رأيت هذه النماذج، تتفاخر فى مجتمعاتها بتفوق أبنائها، فقد يحكى لك الأب ألف مرة كلما التقاك أو غيرك، عن ابنه وابنته كيف نجحت، وماذا يطمح لها أن تكون.
سيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، لقد ضربت مثلًا غير مسبوق، فى أن مجالسة الرئيس فى هذا المؤتمر معياره الاجتهاد والكفاح والإنجاز، وليس شيئًا آخر، فلتجعلها معايير عامة للجلوس على أى كرسى مسئولية، أو تكليفًا بمهمة وطنية أو شغل أى وظيفة.
هؤلاء البسطاء العظماء، يطمحون ويفخرون بأن يلتحق أبناؤهم فى الكليات العسكرية والشرطية والهيئات القضائية والدبلوماسية، والجامعية والوزارات.. ثقافة الواسطة والمحسوبية لا تزال لها آثار فى شغل المواقع، والالتحاق بالوظائف، فلنجعل العمل والجد مقياسًا للترقى، «وفى ذلك فليتنافس المتنافسون».
 ليتعلم الإعلاميون الذين وقعوا فى خطأ نعت «مريم» بـ«بنت البواب»، عليهم أن يدركوا أنها ومن مثلها أبناء الأكرمين، ولا يستهينوا بالقلم الذى أقسم الله به.. اعتصموا بالمهنية.