الاحتلال
الاستقلال التام أو الموت الزؤام...هتاف خرج من قلوب المصريين المشاركين فى ثورة ١٩١٩ منذ مئة عام بالتمام والكمال...صيحة للتخلص من الاستعمار الجاثم على الصدور... استعمار مزدوج ... استعمار إنجليزى حديث أضيف الى استعمار عثمانى جاء بديلا لاستعمار المماليك... سلسلة من حلقات الاستغلال لثروات مصر وخيراتها...لذلك فإن ثورة ١٩٥٢ كانت فارقة ولازمة أيضا ... الاحتلال ترك البلدان تنطلق فى حركات التحرر التى بدأت بعد الحرب العالمية الثانية مع إعادة تشكيل القوى العالمية وبزوغ دور الولايات المتحدة الأمريكية كلاعب رئيسى فى السياسة الدولية والاقتصاد العالمى أيضا...فى الفترات التالية بدأ الغزو والاحتلال الاقتصادى للدول والشعوب من خلال الشركات متعددة الجنسيات العابرة للحدود والتى احتاجت إلى آلة دعائية جبارة لترويج منتجاتها حول العالم كله... ساعد على هذا سقوط الاتحاد السوفيتى فى العقد الأخير من القرن العشرين وانفراد القطب الواحد (الولايات المتحدة الأمريكية) بقيادة العالم الأمر الذى دعا الفيلسوف الأمريكى فرانسيس فوكوياما فى عام ١٩٩٢إلى إصدار كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير « بالطبع كما احتفى به الكثيرون فقد عارضه الكثيرون أيضا ...تلك المعارضة التى اشتدت بعد بزوغ قوى الشرق الأقصى وعودة التوازنات الاقتصادية والصراعات المترتبة على هذا والتى نلاحظ آثارها وأخبارها بصورة شبه يومية فيما يصل إلينا من أخبار على جميع الأصعدة...حتى هذه المرحلة فالأمر يبدو طبيعيا مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى عن دفع الناس بعضهم ببعض ...
الأمر الأكثر خطورة ربما من الاحتلال العسكرى بالقوة أو الاحتلال الاقتصادى هو احتلال العقول ...تغيير الثقافات ومحو القيم والأعراف والعادات والتقاليد واستبدالها بعادات وتقاليد وأفكار ومعتقدات تخدم أهداف تلك الشركات وتلك الدول وتدمر وتطمس الهويات والقيم الخاصة بالشعوب والجماعات المستعمرة...يتم ذلك تحت مسميات جذابة وبراقة لا يمكن أن يختلف أحد حول أهميتها ولكن السم يتم دسه يوميا فى العسل...لاحظ مثلا العادات والتقاليد منذ ثلاثين عاما وقارنها بما يحدث اليوم...الأمثلة كثيرة ولكن على سبيل المثال قارن رد الفعل عند رؤية شاب يطيل شعره فيما يعرف بـ«ديل الحصان» هذا المشهد لا يسترعى انتباه أحد اليوم مثلما كان يثير حالات من الحنق والاشمئزاز منذ عشرات السنين... مستوى القبح والعنف فى مسلسلات رمضان مثلا مقارنة بما كان يقدم فى الزمن الجميل...الأمثلة لا نهائية والنتيجة نصل إليها بتدريج صامت مثل الثعبان أو السكين الناعم الذى يسيل الدماء بلا ألم ...الانتباه مطلوب والحفاظ على الهوية والاعتزاز بها ليس رفاهية أو أمراً ثانويا وكما لا يفل الحديد إلا الحديد فيجب أن تكون المقاومة بنفس السلاح وبنفس الأسلوب... الأمل كبير فى النجاح لأن ما يروجون له هو أمر منزوع القيم منزوع الإنسانية منزوع الجانب الروحى الذى بدونه فإن كل شىء يكون ميتا وإن بدا حيا.









