الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
ثورة يوليو والإخوان.. من تنكر لتاريخه فقد مستقبله

ثورة يوليو والإخوان.. من تنكر لتاريخه فقد مستقبله




 


«اللي مالهوش تاريخ بيشتري له تاريخ».. هذه مقولة قالها لي رجل أعمال عربي من الخليج ولكنه تعلم في مصر.. وبلغ من العمر ما يربو علي السبعين عاما.. تعليقا علي أمراء النفط الذين يصرفون بسخاء يصل إلي حد السفه في شراء الآثار المصرية القديمة الفرعونية والإسلامية.. ويعقدون اتفاقيات تصل إلي مليارات الدولارات من أجل التآخي مع متاحف عالمية مثل «اللوفر» في فرنسا.. إلخ، وعندما سألت صديقي العربي عن سبب هذا السباق المحموم لاقتناء الآثار القديمة.. قال لي هذه العبارة «اللي مالهوش تاريخ بيشتري له تاريخ».. وهذا الرجل من رعيل شيوخ الخليج الأول الذي وقع في غرام وعشق مصر وتاريخها العريق.. لأنه تلقي تعليمه الثانوي والجامعي ودراساته العليا في مصر، وفي مدرسة السعيدية التي تعلم بها سعد زغلول.. ودرس في كلية الآداب جامعة القاهرة التي كان عميدها عميد الأدب العربي د.طه حسين.
 
وكان يقول لي.. إن بعض أمراء الخليج يحاولون أن يصنعوا تاريخا لبلادهم وهذا حق مشروع.. ولكن للأسف هذا التاريخ لم يصنعوه هم.. ولكنه تاريخ سابق التجهيز صنع في بلاد تملك حضارات عريقة أمضت آلاف السنين في صنعها.. ولم تصحوا من نومها ذات صباح فوجدت هذه الحضارة ملقاة في الطرقات.. فحضارات الشعوب تصنع عبر تراكم دءوب من الخبرات وعبر سنوات طويلة وحقب وعصور من العطاء الإنساني.. والخبرات التراكمية.
 
وبعد أيام من سماعي لهذا الرأي.. كنت أستمع لخطبة الجمعة في مسجد بمدينة الدوحة منذ عامين.. وفوجئت بخطيب المسجد وهو مصري تكاد ذقنه الكثيفة تصل إلي منتصف بطنه المنتفخ بطريقة مثيرة للشفقة.. وقد وقف يكيل الشتائم والسباب بأبشع الألفاظ ضد الدكتور طه حسين.. ويتهمه بالكفر والإلحاد والفسوق.. والطغيان.. والجهل والعصيان.. وامتدت الخطبة لأكثر من 45 دقيقة وقد صب جام غضبه علي الدكتور طه حسين بجهالة تفوق الخيال.. وكأن الله قد رزقه بجهل يغنيه عن كل العلم.. وأردت أن أعاتبه بعد الصلاة لإهانة أحد الرموز المصرية والعربية لواحد يعد من منارات الثقافة العربية والعالمية.. ولكن خشيت أن تصيبني شظايا من قنابل جهله.. وقلت في نفسي لعله أستاذ زائر.. وقد ألقي خطبته أو سمومه ومضي.. فقد كان لهذا المسجد خطيب قطري من أساتذة الشريعة بجامعة قطر وكان رجلا مستنيرا وفقيها معتدلا لا يتحدث إلا في أمور ديننا وعباداتنا.. ولكن في الجمعة التالية فوجئت بنفس الخطيب المصري وقد خصص خطبته هذه المرة عن الفنان عادل إمام وأخذ يكيل له السباب والشتائم والاتهامات بأبشع مما وصف به د.طه حسين.. علي اعتبار أن عادل إمام فنان.. وطه حسين أديب.. والفن من أصله حرام في حرام.. والجمعة الثالثة خصصها للهجوم علي كاتب مصري آخر.. فانزعجت بشدة مما يحدث.. وقررت مواجهته.. فوجدته كما اعتقدت شديد الجهالة بتاريخ مصر والمصريين وضحل التفكير ولا يعلم شيئا عن قيمة الوطن الذي ينتمي إليه.. فأبلغت القنصل المصري - آنذاك - والملحق الثقافي بما يقال عن الرموز المصرية خارج مصر.. ومن فوق منابر المساجد في بلد عربي.. خاصة أن غالبية المصلين هناك من الهنود.. وصفين أو ثلاثة صفوف من أبناء دولة قطر.. وكان معظمهم في غاية الاستياء مما يتزيد به هذا الخطيب الجهول الذي ترك الدين والعبادات وأخذ يتطاول علي رموز ثقافية وفكرية وفنية ليسوا موجودين بيننا ليدافعوا عن أنفسهم في مواجهة هذا الخطيب المستفز.. إلي أن اعترض أصحاب البلد.. ومنعوه من إلقاء خطبة الجمعة في المسجد مرة أخري.
 
وهنا قال لي صديقي الخليجي عندما حكيت له حكاية الخطيب المصري باللهجة المصرية التي يتقنها.
 
«يا ميت خسارة عليك يا مصر.. فيه حد يبقي عنده طه حسين.. وعادل إمام.. ويشتمهم ويتهمهم بالكفر.. علي فكرة أنا مستخسر مصر في الأشكال دي.. عيب عليكم مصر لا تستحق منكم هذا الجحود.. وهذا التطاول.. نحن نحب أكثر من أهلها.. وهذا لا يجب أن يقال من فوق منابر المساجد.. خاصة خارج مصر.
 
وفي آخر حديثه معي صدمني بجملة جارحة حين قال بحب وعشم: «أنا لم أر في حياتي أناسا يكرهون بلادهم مثل «هؤلاء المصريين»..».
 
واليوم ونحن نحتفل بمرور 60 عاما علي ثورة يوليو التي غيرت وجه العالم الثالث.. وغيرت مجريات التاريخ في مصر.. والعالم العربي.. بفضل قيادة زعيم تاريخي بقيمة وقامة جمال عبدالناصر.. فوجئت بأن هناك تعمدا مقصودا ورسميا من بعض القوي الثورية.. ومن مؤسسة الرئاسة علي إلغاء الاحتفال وإهمال هذه المناسبة تماما.. بل إن رئيس الجمهورية في أول خطاب له في ميدان التحرير تهكم علي فترة الستينيات حين قال: «الستينيات وما أدراك ما الستينيات»!!
 
وهنا تذكرت صديقي العربي الذي قال لي: «أنا لم أر في حياتي أناسا يكرهون بلادهم مثل هؤلاء المصريين».. وتذكرت كلمته «اللي مالهوش تاريخ بيشتري له تاريخ».. ونحن لدينا التاريخ ولكن البعض يصر علي تجاهله وإغفاله وربما طمسه.. ولقد سمعنا مرارا وتكرارا الرئيس مرسي وهو يقول «أنا رئيس لكل المصريين».. وهذه عبارة ليست صحيحة فليس مطلوبا من أي رئيس يتولي حكم مصر أن يذكرنا كل يوم بأنه «رئيس لكل المصريين»، فهذا أمر بديهي.. ولكن حقيقة الأمر أن أي رئيس مصري لابد أن يدرك أنه رئيس لوطن عظيم اسمه «مصر».. وهذا الوطن له هوية ثقافية عريقة ومركبة.. ويدخل في تكوينها طبقا فوق طبقات، فالهوية المصرية.. تتكون من حضارة فرعونية وحضارة قبطية وحضارة إسلامية وحضارة عربية ومصرية حديثة ومعاصرة يدخل في تكوينها  روافد العلم والتكنولوجيا الحديثة التي داهمتنا جميعا من الغرب دون أن تشترك في صنعها.. ولكننا أصبحنا مستهلكين لها سواء أردنا أو أبينا.. ومن هنا فإن إنكار جزء من تاريخ مصر.. هو إنكار لكل تاريخها وعراقتها وحضارتها.. فمصر دولة عظمي ثقافيا.. ومصر دولة مؤسسة للتراث الإنساني.. وأي رئيس لمصر لا يجوز له أن يختار جزءا من تاريخها ويتبناه.. وجزءا آخر يرفضه ويلفظه.. فمصر هبة المصريين وهبة النيل.. ومصر أمة عريقة ومركبة.. وعبدالناصر وثورة يوليو.. ومحمد علي باشا.. والخديو إسماعيل.. وسعد زغلول.. ومصطفي كامل.. وعرابي.. وأحمد شوقي.. وحافظ إبراهيم.. وأم كلثوم.. وعبدالوهاب.. وسيد درويش.. والشيخ علي عبدالرازق.. والإمام محمد عبده والشيخ حسن البنا المرشد العام ومؤسسة جماعة الإخوان.. والسادات.. وحسني مبارك.. وعبدالحليم حافظ.. ومحمود مختار.. وحسين بيكار.. وصلاح جاهين وفؤاد حداد.. وعبدالرحمن الأبنودي.. وعبدالمنعم رياض.. والفلاح الفصيح.. والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد متولي الشعراوي.. والشيخ محمد رفعت والشيخ عبدالباسط عبدالصمد ومحمود إسماعيل ومحمود الحصري.. وكامل البنا.. ومحمد صديق المنشاوي.. وغيرهم وغيرهم.. قائمة طويلة من عشرات الألوف من المصريين العظماء.. ومن  يتولي حكم هذا الوطن العظيم الولاد لابد أن يعترف بهم جميعا.. وإلا فإن صلاحيته لحكم مصر تكون منقوصة.. فمصر ليست جماعة الإخوان المسلمين.. ومكتب الإرشاد.. ومجلس شوري الجماعة.. مصر أكبر من ذلك بكثير جدا.. مصر أمة ضخمة.. وتاريخ عريق.. وطبقات فوق طبقات من الفن والثقافة والتدين والذات الإنساني.. ومن يتنكر لتاريخه فقد مستقبله.. واللي ماعندهوش تاريخ بيشتري له تاريخ.. وكل سنة وكل المصريين طيبين بمناسبة ثورة يوليو في عيدها الستين.