أيمن عبد المجيد
نكسة «التحرش» عرض لمرض
بات التحرش الجنسى فى مصر ظاهرة تستحق الدراسة، وما حدث بميدان التحرير وما تشهده عربات المترو من جرائم، ما هو إلا مجرد عرض لمرض، ومعالجة «نكسة» التحرش، واقول «نكسة» لانها بالفعل «نكسة أخلاقية»، تتطلب اسلوبًا علميًا فى الدراسة والعلاج، فلن تجدى نفعا التحليلات القشرية، أو التوظيف السياسى، الأمر يحتاج إلى الغوص فى أعماق الأزمة للخروج بحلول جذرية.
حسنا فعل الرئيس عبدالفتاح السيسى، بزيارة ضحية التحرش، والاعتذاز لها، وهو نموذج جديد، للاعتراف بالمسئولية السياسية للدولة، والاعتذار، لكن الاعتذار تحمل معنوى للمسئولية، رغم أنه كان مازال فى حفل التنصيب، لكن الاعتذار وحده لا يكفي، وكذا تشكيل لجان من مؤسسات دينية غير كاف، فالأمر يتطلب البدء فى تنظيم مؤتمر عام لبحث أسباب المرض، نفسيا، واجتماعيا، ودينيا، واقتصاديا، وإعلاميا، وطرح حلول عاجلة.
إن ما حدث ويحدث من جرائم تحرش ترفضها القيم والاديان، خفاياها دانية لمن يريد أن يعمل عقله، فالعرض مسبباته خليط من الميكروبات الأخلاقية، وفيروسات الحالة الاقتصادية، وانهيار الروابط العائلية والتفكك بعدد ملحوظ من الأسر، وانشغال قطاعات من الامهات والآباء عن تربية النشء بالبحث عن قوت يومهم، وتكثيف الفضائيات والسينما للجرعات الجنسية فى الاعمال الدرامية، وفى الوقت ذاته تخلف الخطاب الدينى من جانب وتدهور المنظومة التعليمية بغياب دور المدرسة لحساب الدروس الخصوصية، فضلا عن الجهل والتسرب من التعليم من الاساس، ومن ثم ضعف المناعة القيمية أمام هذا السيل الهادر من الفيروسات والميكروبات.
والأخطر فى اعتقادى هو تحول الأسر المصرية، من «الأسرة الممتدة» التى كان يعيش فيها ثلاثة أجيال فى منزل أو عمارة واحدة الاجداد والآباء والأبناء، بحيث يتولى الاجداد غرس القيم فى النشئ فى ظل انشغال الآباء فى كسب الرزق، إلى «أسرة منبتة» أب وأم فقط بفعل الهجرة الداخلية بحثا عن عمل، وكذا ضعف الحالة الاقتصادية التى جعلت الاجيال تتفرق فى أنحاء القاهرة فى وحدات سكنية متباعدة، الأمر الذى جعل الآباء والأمهات يتركون الأبناء ليربيهم «العالم» وهنا أعنى دقة اللفظ نعم يربيهم العالم، فالطفل الذى كان يتلقى رعاية تربوية من الاجداد، والاعمام وحتى الجار فى المناطق الشعبية المترابطة بات اليوم يقضى معظم الوقت أمام الفضائيات، وشبكات التواصل الاجتماعي، وينحرف البعض للمواقع الاباحية، يفرغ معها طاقته المكبوتة، وآخرون يلجأون للتحرش، وفى ظل هذا المصدر العالمى للقيم والمعارف، قلة تنحرف، لكنها تمثل فى شعب تعداده 90 مليونا يمثل الشباب فيه 60٪ نسبة ظاهرة.
فسر البعض جريمة التحرش بفتيات بالتحرير تفسيرًا سياسيًا، معتقدا أن تنظيما سياسيا وراء ذلك لإفساد فرحة المصريين، ربما، لكنه ليس كل الحقيقة، فالحقيقة أن تلك الجرائم ارتكبت بكثافة نهايات حكم مبارك أمام السينمات، وحينها حاول كتاب النظام تزييف الحقيقة، لكن الازمة تفاقمت، وباتت تظهر فى المناسبات الاحتفالية بكثافة، وبات يرتكب الجريمة فتية اقل من 15 سنة يسيرون فى قطعان فى احتفالات الاعياد، وفى التجمعات.
قد يكون وسط المنفلتين اخلاقيا تنظيم إجرامى، امر يحتاج بحثًا وتحريات عن خلفيات وشبكات علاقات المقبوض عليهم فى التحرير، لكن يقينا، الأزمة تتجاوز حدود مجموعة منظمة، وضمن الأسباب خلفيات اقتصادية فمعظم مرتكبى تلك الجرائم من اطفال الشوارع، والحرفيين وبعض سكان العشوائيات والمناطق الفقيرة.
دون اغفال تأخر سن الزواج، لاسباب السكن والبطالة، وانتشار المخدرات التى تذهب عقولهم، ولذلك فإن التشخيص الدقيق للأزمة، يتطلب أخراج رؤوسنا من الرمال لمواجهة الحقيقة والبحث عن حلول ناجزة.
لا شك أن مثل هذه الجريمة الشنعاء، لها انعكاساتها السلبية على سمعة مصر.
والحديث عن ذلك له بقيه






