الثلاثاء 2 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

المستشرقة الروسية يافعة يوسفنا: التراث العربى حاضر فى وجدان الغرب وسلوكهم

يافعة يوسفنا مستشرقة روسية تعمل أستاذة للأدب العربى واللغة العربية بجامعة بطرسبورج، لديها ولع بالتراث العربى الذى يشمل الإنتاج المعرفى والإبداعى فى العصور القديمة بمراحلها المختلفة وقامت بتحقيق كتاب «المسالك والممالك» للإصطخرى، و«المنازل والديار» لأسامة بن منقذ، حكم وأمثال لقمان الحكيم، ومن الكتب الأكاديمية التى تدرسها لطلاب القسم العربى فى جامعة بطرسبورج هناك: اللغة العربية.. القواعد والنصوص، ولديها دراسات تتعلق بالجانب الحضارى للترجمة بين العربية والروسية.. حيث إنها تختار من إنتاج العصور الحديثة ما اكتسب قيمة تضاهى الروائع التى تعتقت بفعل الزمن، وأصبحت ركيزة للعقل والوجدان فى الوطن العربى، واستحقت وصف الكلاسيكية العريق. هنا حوار معها :



■ حدثينا عن بداية الاحتكاك بين الحضارة العربية الإسلامية والشعوب الروسية؟

- تشير الدراسات التاريخية أن تواصل العرب مع السكان المقيمين على الأراضى الروسية يرجع إلى فترة مبكرة من العصور الوسطى، حيث حمل العرب الدين الإسلامى إلى الأراضى الروسية وخاصة عبر داغستان، وكان يطلق على هذه المناطق اسم «ثغور الخلافة» فى القرن السابع.

وشكلت تلك المناطق واحدة من الامتدادات الأولى لأطراف الخلافة الأموية الدمشقية الكبرى. وبعد فترة متأخرة تركز الإسلام فى بلاد الفولجا (بلغاريا) التى كانت انطلاقة لعلاقات دبلوماسية دشنها الأمير فلاديمير.. كما توافد الحجاج الروس بشكل حاشد إلى الأراضى المقدسة بفلسطين. ونشأت علاقات تجارية بين التجارالروس والعرب، وفى القرن العاشر قام الرحالة العربى والدبلوماسى أحمد بن فضلان بزيارة الأراضى الشرقية للبلاد السلافية، ومازالت كتاباته عنها تثير الإعجاب والتقدير حتى اليوم وفى نهاية تسعينيات القرن العشرين عثر علماء الآثار فى وسط العاصمة الروسية موسكو فى المنطقة المصنفة ضمن الفترة القروسطية التى شهدت فترة حكم الأمير فلاديمير على نقود عربية «دراهم» ويشكل المسلمون 15% من السكان الروس أى ما يعادل 20 مليون نسمة.

■  متى بدأت علاقة الاستشراق الروسى بالعالم الإسلامى؟

- للعلم فإن علاقات روسيا بالمناطق التى يقطنها مسلمون قديمة نظراً للقرب الجغرافى واختلفت الآراء حول بدايته إلا أن بعض المؤرخين يعيده إلى أيام الدولة العباسية، حيث كان هناك تبادل لما يطلق عليه اليوم سفارات، فضلاً عن أن الفتوحات الإسلامية فى العصور المختلفة وصلت إلى المناطق المتاخمة لروسيا ثم دخلتها من خلال ضم روسيا لبعض المناطق التى يقطنها مسلمون، وخاصة أثناء فترة الحكم السوفييتي، حيث ازداد الاهتمام بالإسلام والعالم الإسلامي، كما اختلفت علاقة روسيا بالعالم الإسلامى فى ضوء علاقتها بالإمبراطورية العثمانية التى تتاخم الحدود الروسية مباشرة، وقد شهدت هذه العلاقة فترات من المد والجزر حسب الظروف الدولية، وكان دور الاستشراق الروسى فى كل المراحل نشطاً.

■ هل تعايش المسلمون والروس لفترة طويلة مما أدى إلى اندماجهم وخاصة فى ظل الاختلاف فى التراث والمرجعية الدينية؟

- علاقة الشعب الروسى بالمسلمين القاطنين فى روسيا أو بجوارها تميزت فى غالبية العصور بالتعايش السلمى، وكانت التوترات قليلة باستثناء الفترة السوفييتية التى عاناها كل أتباع الأديان وليس المسلمين فقط لأن الحكام كانوا يرون أن الدين أفيون الشعوب، ولهذا فإن الحل فى اللادين ولهذا ضيقوا على كل أصحاب الديانات، أما ما عدا ذلك فقد كان هناك قدر من التفاهم والتعاون مع احتفاظ كل شعب بثقافته وموروثاته الدينية حتى إن بعض المستشرقين الروس المنصفين، أكدوا أن التراث الشرقى الإسلامى هو جزء من تراثهم، وأنا أضم صوتى إلى أصوات هؤلاء وأؤكد أن تراث مسلمى روسيا جزء من تراثنا ونعتز به.

■ ما سر ولعك بالترث العربى ؟وماذا عن جهودك فى هذا المجال ؟

- التراث العربى له حضور فى وجدان الناس وسلوكهم، ويضم تيارات متعددة ومتنوعة ومختلفة، هذا الاختلاف يدعو إلى الحوار مع الآخر وأى نهضة لا يمكن أن تبدأ إلا بالانتظام فى تراث .ويأتى كتاب «المسالك والممالك» للإصطخرى الذى ولد فى النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى وعاش حتى منتصف القرن الرابع الهجرى ضمن اهتمامات الرحالة العرب بالتأليف فى الجغرافيا ورسم خرائط البلدان والأقاليم، ووصف المسالك والممالك التى رحلوا إليها وشاهدوها أو التى سمعوا عنها، يدل دلالة واضحة على اتساع رقعة العالم الإسلامى آنذاك من جهة وعلى بلوغ العلوم العربية والإسلامية مرحلة من النضج والازدهار من جهة أخرى؛ فالفتوحات الإسلامية لمناطق شاسعة من العالم، اقتضت من علماء الجغرافيا العرب التعريف بتلك المناطق وإلقاء الضوء عليها، بل ببقية مناطق العالم المعروفة أيضاً، مكاناً وبلاداً وطرقاً، ومعالم طبيعية؛ تسهيلاً للتجوال بينها، تجارة، أو دراسة وبحثاً، أو حتى للمتعة والتأمل.

أما كتاب «المنازل والديار» للأمير أسامة بن منقذ فيعتبر ديوان الشعر العربى فى العصر الوسيط، فالمؤلف يقدم مجموعة من الشواهد الشعرية مع التنويه بأسماء مؤلفيها، ويعد هذا الكتاب أهم كتبه على الإطلاق باعتباره كان معاصراً لأول حملة صليبية وشاهد عيان على أحداثها، وتاريخ اكتشاف مخطوطة الكتاب تعد من أروع فصول كتاب المستشرق الروسى كراتشكوفسكى شيخ المستعربين الروس المسمى «مع المخطوطات العربية» فهى قصة أكثر إثارة من القصص البوليسية.

والكتاب فى النهاية يحوى قدراً من الأشعار المهمة للشعراء السوريين والمصريين فى القرنين الحادى عشر والثانى عشر بعد الميلاد لذلك ؛ فهو يعد إحدى الوثائق المهمة لحركة الشعر العربى فى تلك الفترة، كما يعد مصدراً مهماً للأحداث التاريخية التى وقعت فى تلك الفترة من التاريخ العربى .

■ كيف تكسبين النص المحقق صفة الامتاع لجذب القارئ؟

- النص الأدبى أو التراثى  له مأزقه وتناقضاته، وهو متعدد المعانى أيضاً مما يتطلب من القارئ الفطنة والذكاء، والقراءة التى تتم فى اتجاه واحد هى أبعد من أن تحقق هذه الغاية. إن أفضل النصوص هى التى تترك للقارئ مجالاً لاستخدام مخيلته وخبرته ومعارفه، وفسحة للقول .هناك دائماً ما يقال عن النص، وفجوات على القارئ أن ينفذ من خلالها إلى قلب العمل ويتعمق فى وجوده، أما إذا كان النص واضحاً كل الوضوح، ولا يوحى للقارئ بأى شيء، أو يوحى إليه بالشيء اليسير فقط، فلا مناص حينئذ من أن يتسلل الملل إلى قلب القارئ، فيغيب بذك عنصر التشويق وتغيب المتعة كذلك.

الكتابة تستدعى القراءة، ولا قيمة للمؤلف إذا لم تكن هناك ذات تقرؤه وتدقق البحث فيه.. إننا لا نكتب إلا للآخرين وعبر الآخرين، فالضرورة تستدعى أن يكون هناك آخر يقرأ النص ويؤوله أيضاً.

■  ما مفهومك للقراءة ؟

- القراءة – من وجهة نظرى – هى لحظة تفاعل بين الماضى والحاضر. الماضى هو ما كتبه المؤلف، هو النص. أما الحاضر فهو القارئ من حيث إنه كائن تاريخى له أفقه الخاص، وله خبراته ومعارفه التى تميزه عن غيره، وتطبع عملية القراءة بطابعه الخاص.

بفضل القراءة، وبفضل أفق القارئ، يصبح هناك اندماج للآفاق الماضية والحاضرة معاً. وتشابك بين أفق المفسر وأفق النص، ذلك أن النص من حيث أن له أفقاً، ومن حيث أنه «معطى»، يحيل من تلقاء ذاته إلى قدرة المفسر على تأويله.

فالنص يمتلك شرعية تخول للمفسر أن يفهمه على نحو معين دون غيره. بإمكان المفسر أن يحدد أشياء وأشياء وأن يظهر أنواعاً من المتناقضات، إنه قادر أيضاً، وباستمرار فى إطار وحدة النص على تصحيح أفكاره وتجاربه فى كل مرة، وإضفاء التجانس والاتفاق عليها.

والتأويل جزء من التاريخ، لقد نشأ وتطور ابتداء من ماض، كما أنه يحيل فى ذاته إلى مستقبل .وفى هذا الموقف تكون للقارئ مقاصد معينة وغايات يحققها بواسطة العمل، والمقصود بالعمل هنا فعل القراءة الذى يقوم به القارئ أو المفسر. والموقف فى النهاية وضع حاضر فى التاريخ.

■ ما الذى تطلقين عليه تاريخاً ؟ وكيف يتشكل؟

- التاريخ الذى أقصده هو تاريخ النص / تجربة النص، فالقصة أو الحكاية المروية هى ما نعنى به التاريخ فى هذه الحالة وذلك حتى لا تثير هذه الكلمة أى التباس فى المعنى . كل نص يثير من الوهلة الأولى جملة من الانتظارات، فهو عبارة عن تجربة، وللقارئ تجربته أيضاً، ومن خلال عملية القراءة تتفاعل التجربتان، وبإمكان القارئ أن ينظر إلى النص على أنه حدث معيش، فى هذا الحدث يكون هناك تقارب وتباعد وتجاذب وتنافر بين علامات النص ودلالاته . فى هذا الحدث يتكشف النص، ويتجلى على كل الاحتمالات؛ ذلك أن النص الذى يطرحه المؤلف هو النص الخيالى، ويمثل هذا النص تركيبة لغوية تعج بالفراغات والفجوات، وهذا ما يجعله قابلاً لتفسيرات وتأويلات لا حصر لها .لكن معنى النص لا يكمن فى تلك الانتظارات التى نرجوها منه والتى نأمل أن تتحقق، بل يكمن فى ردة فعلنا إزاء ما يتجلى فى النص، فكل ما يدخل فى ردة الفعل هذه من معاناة وخلخلة وإرباك للقارئ هو بالظبط ما يجعله «يعيش» تجربة النص باعتبارها حدثاً حقيقياً .

■ ما الفرق بين الاستشراق الروسى والاستشراق الغربى ؟

- اعتمد الاستشراق الروسى على أسس فريدة وموضوعية ميزته عن باقى مدارس الاستشراق الغربية التى سبقته فى هذا المجال، والتى ارتبطت فى بعض الأحيان بالأهداف الاستعمارية أو أيديولوجية وعلى الرغم من اعتماد الاستشراق الروسى فى تكوينه على مصادر غربية أوروبية فإنه ما لبث أن تجاوزها إلى مفاهيم عدة منها إيمانه بأن السبيل إلى فهم هذا الشرق سيتم من داخله وليس من خارجه، وكانت البداية من خلال تبادل السفارات والقنصليات المدنية والعسكرية، ثم المعايشة الكاملة للموظفين العسكريين الروس فى مناطق الفولجا والقوقاز والبحر الأسود وآسيا الوسطى . بالإضافة إلى توالى وفود رجالات الفكر الشرقيين، ويتبنى الاستشراق الروسى فكرة التواصل والتفاهم مع الآخر واحترام ثقافته.