«قصة مدينتين».. واشنطن والقاهرة
بالرغم من التحالف القوى على المستوى السياسى بين القاهرة وواشنطن فى ولاية الرئيس (دونالد ترامب) التى على وشك الانتهاء، إلا أن الشارع العربى حسب استطلاع أجرته مؤسسة «يو جوف البريطانية» يفضل الرئيس الجديد (جو بايدن)، وذلك لعدة أسباب فى مقدمتها موافقة ترامب على نقل السفارة الإسرائيلية للقدس، وتشجيعه لضم مرتفعات الجولان السورية لإسرائيل، ودعمه كذلك فى المحصلة النهائية لكل المواقف الإسرائيلية، لكن ربما حظى ترامب ببعض التأييد فى نتائج الاستطلاع وخاصة من دول الخليج، لإقدامه على إلغاء الاتفاق النووى مع إيران. هذا الاتفاق الذى أبرمه سلفه الديمقراطى «باراك أوباما».
لا تعد الانتخابات الأمريكية شأنًا أمريكيًا خالصًا، فالدور الخارجى لواشنطن يجعل عواصم كثيرة تتابع الحدث وأهم تلك العواصم القاهرة. فلقد اتسمت العلاقات بين القاهرة وواشنطن فى الأربع سنوات الأخيرة بالتفاهمات والدعم والمساندة بين إدارتى ترامب والرئيس عبد الفتاح السيسى، فلقد أعلن ترامب صراحة أن الرئيس السيسى هو الزعيم الحقيقى للمنطقة، وأنه يراه شريكا وظهيرا قويا للبيت الأبيض فى الشرق الأوسط.
ويفسر هذا رؤية كل من الحزب الجمهورى وممثله فى السلطة للمصالح بشكل مجرد وواقعى. وتلاقى السيسى وترامب واتفاقهما على مواجهة «شرّ» الجماعات الإرهابية المتلحفة بشعارات دينية.
وعلى صعيد آخر، انتقد الديمقراطيون بقيادة بايدن الحكومة المصرية بمجموعة من الادعاءات: تحدثوا عن مخالفة مواثيق حقوق الإنسان لدينا، متناسين أن مصر دولة ذات سيادة مطلقة على أراضيها، دولة قانون، قانون شُرع فى مجلس منتخب من الشعب. وأنها دولة مستقلة لن تقبل أى تدخلات خارجية، دولة وقيادة ترحب بكل معارضة وطنية بناءة، معارضة تعلن عن تمويلها وأهدافها بشفافية، معارضة نزيهة، متجردة المصالح إلا رفعة هذا الوطن.
وربما نأتى لطرح السؤال الأهم، ما هو مصير العلاقات بين البيت الأبيض وقصر الاتحادية فى القريب العاجل؟ فلقد اكتسبت الحكومة المصرية فى عصر الرئيس السيسى الحكمة من أخطاء الحكومات الماضية، وأدركت أن السلاح الأقوى فى يد أى أمة هو أمن الشعوب وسلامها، وأن الاستقرار الداخلى والتنمية هما حجرا أساس أية نهضة، ومن بعدهما تأتى سياسة الحكمة والاتزان فى التعامل مع كل دول العالم، وهو ما يتم تحققه عندما تتسم سياساتك الخارجية بالنوايا الحسنة، والمكاسب المتبادل لكل الأطراف، وأخيرا وليس آخرا هو أن تمتلك الآلة العسكرية الرادعة لكل معتدٍ تسوّل له أطماعه أن ينظر لما تمتلك، القوة العسكرية هى التى تحمى مصالح دولتك فى البر والبحر، كما تؤمن أسلوب حياتك.
وعند القياس بتلك المعايير، أقول وبكل ثقة إن مصرنا العريقة هى الكيان الأقوى والأكثر اتزانًا فى الشرق الأوسط.. ومن هذا المنطلق فإن كل سياسى لديه قدر من الفهم وقراءة المشهد بواقعية سيتعامل مع مصر من منطلق قوتها وتأثيرها فى محيطها والعالم.
لقد كانت الأغلبية فى حكومة باراك أوباما ضد استمرار الإخوان فى الحكم، واستسلم أوباما بدوره لهذا الرأى رغم معارضته له فى البداية، بل إن وزير الخارجية الديمقراطى جون كيرى دافع بقوة عن «إقالة مرسى وعارض اعتبار ثورة 30 يونيو انقلابا»، ولقد أشاد بما قام به السيسى من «انحياز للإرادة الشعبية»، وقد لا يعد هذا اقتناعا بقدر كونه انحيازًا لأهدافهم، ودعما للفريق المنتصر الذى اختارته جموع الشعب، وهو ما سيشكل ظهيرًا لإدارتهم فى أقوى وأكبر دول فى الشرق الأوسط.
من كل تلك المعطيات يجب أن تفهم إدارة البيت الأبيض أن مفهوم الغرب عن الليبرالية وحقوق الإنسان يصلح لمجتمعاتهم، ولا يعد قاعدة تنطبق على كل المجتمعات.
ليس أهم ما فى حقوق الإنسان التسامح الدينى، حيث لم يعانوا من دموية وعنف نزاعات تيارات الإسلام السياسى مثلما عانينا لما يقرب من قرن، هناك الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، توفير سبل العيش ومرافقه، الغذاء والصحة، التعليم والأمن الشخصى.
كما أننا نحرص على مناخ ديمقراطى أيضا لكن ليس على شاكلة النسخة الأمريكية، فعلينا أولا تجفيف كل المنابع التى تقوى نشاطات الجماعات الإرهابية.
التنوع الذى اتسمت به الحكومة المصرية فى اختيار حلفائها تحت قيادتنا الحالية يعطيها القدرة على أن تتحمل فترة من البرود السياسى مع دولة بحجم الوليات المتحدة، بل تتحملها أكثر من قدرة واشنطن على تحمل هذا البرود. ولقد بدا هذا واضحا للمراقبين عندما جمد أوباما المساعدات العسكرية لمدة سنتين، من بعدها انتهجت السياسة المصرية سياسة التنوع لا الارتماء بكل الثقل فى معسكر واحد. نحن نعيش فى ظل قيادة حكيمة تعرف كيف تزن انحيازاتها وتوجهاتها.






