الأربعاء 21 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

كواليس الصراع بين عبدالحليم ورشدى

«صانع الموال».. الرحلـة من دسـوق إلى القـاهرة

فى عصرنا الحالى انتشرت نوعية من الأغانى صنفت كأغان شعبية، مجرد وجودها على الساحة الغنائية يجعلنا نعود بالذاكرة إلى أحد رواد الطرب الشعبى الذى كان له مفهوم خاص عن الغنوة الشعبية ومرجعيتها الثقافية والاجتماعية ولغتها وأبجدياتها، وهو المطرب محمد رشدى الذى كتب مذكراته الكاتب «سعيد الشحات» بعنوان «موال أهل البلد غنوة» الصادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع. 



اسمه الحقيقى رشدى محمد وليس محمد رشدى، والذى قام بتعديل اسمه هو الفنان سعد عبدالوهاب حين كان مذيعا، وقال من الأفضل يبقى محمد رشدى أسهل فى النطق والشهرة صاحب رحلة قاسية ومؤلمة بها الكثير من الكواليس من شخصيات دعمته وشخصيات قامت بالهجوم عليه لصالح فنان آخر، قال عنه بليغ حمدى: « محمد رشدى صوت مصرى وكأن إخناتون يغنى»، وقال عنه الموسيقار عمار الشريعى «لو غنى النيل كان صوته محمد رشدى، لو حتّة من أحجار الهرم فكَّرت تغنى يبقى ده صوتها».

بالرغم من أن الكاتب سعيد الشحات لديه تسجيلات مع المطرب الشعبى محمد رشدى بصوته منذ تسعينيات القرن الماضى، إلا ان «الشحات» بحث عن قالب مغاير للسرد مختلف عن الأساليب المعتادة فى كتابة المذكرات، فوجد» الشحات «ضرورة للبحث والتنقيب عن كل معلومة عابرة ذكرها محمد رشدى، وتم ذلك من خلال الاستشهاد بالعديد من المراجع والكتب والدوريات والمجلات الفنية القديمة والمواقع الإلكترونية، فتوصل الى تفاصيل التفاصيل وذكرها باليوم والشهر والسنة.

سيجد القارئ مسيرة محمد رشدى ومسيرة الطرب المصرى وعن عمالقة الموسيقى فى مصر من ملحنين وشعراء منهم عبدالرحمن الابنودى وبليغ حمدى وعبدالحليم حافظ وحلمى بكر وعبدالرحيم منصور ومحمد الموجى وكمال الطويل ومحمد عبدالوهاب أم كلثوم وليلى مراد وآخرون، بالإضافة الى تقسيم الكتاب تاريخيا وزمنيا ليمنح القارئ قراءة منضبطة ذهنيا وتسلسلا للأحداث، كتب سعيد الشحات المذكرات بحروف كخيوط الحرير، وسطور دقيقة تشبه زخرفة الدانتيل، وثلاثمائة وعشرون صفحة من الحكى الارابيسكى المتداخل والمتشابك والمتقاطع افقيا ورأسيا.

 

المغنواتى فى الموالد

 

الأم من رشيد محافظة البحيرة والأب من دسوق محافظة كفر الشيخ، رشدى مواليد 1928 عشق الغناء منذ الطفولة رفضت والدته الغناء وتريد أن يكون ابنها محمد رشدى «افندى»، وحاربت كى يكمل تعليمه حتى وصل الى المرحلة الإعدادية، ورفضها للغناء كحال المجتمع والنظرة السلبية المترسبة عن الفنانين وسلوكياتهم، ذلك التناقض فى أن الجمهور يحب الفن ويرفض ان يعمل ابناؤه بالفن، أخذه والده ليعمل على مركب ينقل الأرز من رشيد إلى دسوق، إلا أنه كان يغنى طول الوقت، وعلى المركب كان يسمع من الصيادين أغانى عن الغربة والقدر والنصيب.

 فكان رشدى يذهب إلى سينما دسوق وشاهد فيلم ليلى مراد «يحيا الحب» وسمع اغنيتها «ياما رق النسيم»، قرر رشدى وقتها أن طريقه فى الحياة سيكون مطربا، وانشغل عن المدرسة وتكرر رسوبه، وذهب وغنى فى مولد سيدى إبراهيم الدسوقى والأفراح وأخذ شهرة بدسوق انه يغنى أغانى ليلى مراد، «محمد الدفراوى» مفتش الصحة غاوى مغنى وبيعزف على العود، وعد رشدى أنه سوف يجعله يدرس الموسيقى بالقاهرة.

 

أم كلثوم فى دسوق 

 

«فريد باشا زعلوك» عضو مجلس النواب عن دسوق هو صاحب الفضل فى التحاق رشدى بمعهد فؤاد للموسيقى، وطلب من رشدى أن يكون مسئولا عن الدعاية الانتخابية، ونجح فريد، حضرت أم كلثوم لإحياء حفلة بدسوق ومعها الحسينى شقيق فريد، فبعد ان غنت أم كلثوم «أنا فى انتظارك» غنى رشدى اغنية «صوت الضمير»، طلبت ام كلثوم ان ترى محمد رشدى وأوصت بأهميته، وأنه من الضرورى أن يدرس موسيقى قالت «رشدى هايبقى حاجة مهمة»، فشهادة أم كلثوم عدلت من رأى عائلة رشدى فى الغناء، وبعد فترة ابلغه فريد أن يستعد للذهاب إلى مصر، وصل مصر وذهب للامتحان بمعهد الموسيقى ورشدى حاصل على الاعدادية حيث لا يشترط المؤهل بل الموهبة وتم قبوله بالمعهد.

 

الجمهور ينتقد أغانى عبد الحليم

 

بحسب تحليل الناقد كمال النجمى ان الاستخدام المفرط للآلات الموسيقية الغربية وآلات النفخ النحاسية والتوزيع على الطريقة الافرنجية كان سببا فى حشوها بمجموعات ايقاعية صاخبة ابتعادها عن اجواء الفلكلور، وبحسب رواية رشدى أن اعتاد الجمهور والنقاد المقارنة بينه وبين عبدالحليم ودائما ما تأتى النتائج لصالحى. وتساءل الجمهور لماذا يعتدى عبدالحليم على اللون الشعبى الذى يبدع فيه محمد رشدى. 

 

أنيس منصور يسخر من كلمات الأبنودى 

 

سخر أنيس منصور من كلمات اغنية «وهيبة» وقال: تحت السّجر يا وهيبة ياما أكلنا برتقال، هذا يعنى أن البرتقال مسروق»، ولم يعجب منصور هيئة رشدى وملابسه، إلا أن فى هذه الفترة اصبح لمحمد رشدى مدافعون من الصحفيين. 

 

محمد عبدالوهاب متهم 

 

 ذهب رشدى إلى أحمد المنشاوى بلدياته يعمل ساعيا فى مكتب المطرب محمد عبدالوهاب، وجدها فرصة ثمينة ليرى الاستاذ عن قرب ويسمعه، سمع لحن «أنت أنت ولا أنتش دارى»، وحفظه رشدى وغناها فى حفلات الافراح، فظن الجميع أن اللحن لمحمد رشدى، والمفاجأة أن محمد عبدالوهاب عام 1948 فى حفلة بسينما «راديو» غنى الغنوة، إلا أن الصحافة كتبت أن محمد عبدالوهاب يغنى غنوة مطرب ناشئ، فشك محمد عبدالوهاب ان بمكتبه جاسوس، طرد المنشاوى رشدى من مكتب عبدالوهاب، إلا أن رشدى اثناء وجوده بمكتب عبدالوهاب وجد بسلة المهملات قصاصات ورق عليها شخبطة وتوزيع موسيقى وكلمات أغانى، فأخذها وحين اغنية اخرى فى استديو الإذاعة فوجئ باستدعاء من النيابة بسرقة الأغانى.

 

اللقاء الأول مع العندليب

 

رشدى تعود زيارة دسوق بين الحين والحين يطمئن على والدته واخواته، وأثناء عودته الى القاهرة وفى محطة القطار بطنطا سمع صوتا ينادى عليه «يافنان» والتفت رشدى فوجد شابا انيقا، سأله رشدى أنت بتنادى عليا، اجابه: «هو فى غيرك فى المحطة فنان»، سأله ومنين عرفت، أجابه: «مش معاك عود تبقى فنان»، وتم التعارف بينهما الشاب هو عبدالحليم حافظ مدرس موسيقى فى ملجأ أيتام فى طنطا واخوه المطرب إسماعيل شبانه، وعرف رشدى بنفسه، واستمرت بينهم جلسة محبة ومزيكا وتناولوا معاً الصميت والترمس، إلى أن وصل القطار ألى القاهرة، واتفقا على المقابلة .

 

خناقة عبدالحليم ورشدى

 

يقول محمد رشدى ان عبدالحليم هاجمنى اكثر من مرة واتهمنى بتقليده وذكر هذا الاتهام على صفحات المجلات الفنية، وقال إن على محمد رشدى ان يصنع شيئا جديدا يفوق ما قدمه عبدالحليم، لدرجة كتبت الصحافة أن محمد رشدى يريد أن يتسلق على أكتاف عبدالحليم، ولكن رشدى استمر وتعاون مع حلمى بكر وقدم أغنية «عرباوى» وكون ثلاثية جديدة معهما، وعاد الأبنودى إلى رشدى بأغنية «يا قمر يا سكندرانى»، ثم تعاون مع الشاعر عبدالرحيم منصور واغنية «تغريبة»، وتوالت الأغانى واتجه رشدى إلى الاتجاة الدينى، وقدم 6 أفلام للسينما، وكان من رأى الملحن كمال الطويل أن محمد رشدى وعبدالحليم يقودان مسيرة الغناء ولكل منهما لون. 

 

البحث عن اللون الغنائى

 

تعرف رشدى بحافظ عبدالوهاب مراقبا للأغانى بالإذاعة المصرية وهو الذى استعارعبدالحليم اسمه ليصبح «عبدالحليم حافظ»، وكانت بداية شهرة رشدى أغنية «قولوا لمأذون البلد»، دار نقاش بين رشدى وعبدالحليم حول الغناء فقال له رشدى: «يا عبدالحليم أنت فيك من حليم الرومى مطرب فلسطينى»، صرخ عبدالحليم: «أنا مش شبه حد يامحمد، أنا لون»، هذه الجملة ظلت فى ذهن رشدى طويلا تراوده فيسأل نفسه من أنا؟ هل انا محمد عبدالمطلب؟ هل أنا محمد الكحلاوى؟ فزاد انتقاده لنفسه بحثا عن ذاته، فابتعد رشدى عن الأضواء سنوات انشغل بأمور الحياة زواج وطلاق وحادثة أتوبيس جعلته يتنقل على عكازين، هذه كانت فترة مرحلة الأغانى الوطنية المتسقة مع اهداف ثورة 23 يوليو التى تربع عبدالحليم على عرشها.

 

اختفاء الأغانى من الإذاعة المصرية 

 

اكتشف رشدى من خلال متابعته للإذاعة أن أغنياته لا تذاع بانتظام مثلما تذاع أغانى زملائه فأخذ الكاتب حلمى سالم على عاتقه مهمة البحث عن أسباب هذا الاختفاء فتوصل إلى أن أقل مطرب تذاع اغنياته هو محمد رشدى مقارنة بمحرم فؤاد ومأمون الشناوى وماهر العطار وعبداللطيف التلبانى، رغم أن رشدى كان اكثرهم انتشارا ونجاحا، وطالب «سالم» بضرورة تخطى هذا الخطأ لأنه يعد جريمة.

 

نجاح ملحمة أدهم الشرقاوى

 

عرض محمد حسن الشجاعى يعمل فى الإذاعة المصرية على رشدى ان يغنى موال ملحمة «أدهم الشرقاوى» ليعود إلى الاضواء بعد ابتعاد عشر سنوات، بحث رشدى عن حقيقة أدهم الشرقاوى قبل أن يغنى هل هو بطل ام مجرم، نجحت الملحمة بالاذاعة وحققت شهرة.

 استفادت السينما من نجاح الملحمة بفيلم عن أدهم الشرقاوى عام 1964 إلإ انهم اسندوا الغناء فى الفيلم الى عبدالحليم حافظ ولأن عبدالحليم له صحفيون ونقاد يرشدونه فقالوا له المزاج العام للشعب الموال والملحمة، إلا إن الجمهور عقد مقارنة بين رشدى وعبدالحليم فلم ينجح الفيلم مثل الملحمة الإذاعية، اتهم عبدالحليم أنه يسرق نجاح محمد رشدى، والسبب أنهم اسندوا ألحان الفيلم إلى كمال الطويل ومحمد الموجى وعلى إسماعيل واعاد مرسى جميل عزيز كتابة الكلمات، وهؤلاء قدموا ألحانا وكلمات بعيدا عن الحالة الفنية الشعبية، عكس ما قدمه محمد رشدى الذى جاء بألحان من التراث والفلكلور ومن اصول الموال والكلمات لشاعر غير معروف كحال الشعبيات الأصلية التى تخرج من وجدان مصرى.

 

ثلاثى النجاح الأبنودى وبليغ ورشدى

 

عند وصول الشاعر عبدالرحمن الابنودى بحث عن محمد رشدى حيث ابلغه إعجابه وانه قادم من الصعيد من اجله وقال له: خلى بالك يا رشدى المرحلة دى بتاعتك وانه زمن الفلاحين والعمال ده زمنك مش زمن عبدالحليم «، وتحدثا عن مستقبل الاغنية الشعبية وان قرارات عبدالناصر محتاجة اغانى لها بعد اجتماعى، وهذا بحسب رواية حسن الشجاعى بكتاب «الخال» للكاتب محمد توفيق، فكانت وهيبة وش السعد، وانتشرت الغنوة، ثم اللقاء مع بليغ حمدى الذى كان متألقاً مع عبدالحليم، قدم بليغ لرشدى لحن «آه يا ليل ياقمر» كلمات الأبنودى وكونا الثلاثة لونا غنائيا شعبيا مميزا، حين سألوا رشدى من هو المطرب الشعبى أجاب: «هو المطرب اللى يغنى للناس بيعبر عنهم وبيكون حتة منهم وبيغنى كلامهم وقضاياهم وبيهذب وجدانهم»، وتوالت النجاحات بغنوة «عدوية»، وكلاهما وهيبة وعدوية نموذج للمراة الريفية المصرية البسيطة بعد ثورة يوليو 1952.

 

خطف عبدالرحمن الأبنودى من الأستديو

 

قلق عبدالحليم من نجاح وتألق الثلاثى (الأبنودى ورشدى وبليغ) فخطط لخطف الابنودى.. اثناء وجود الابنودى باستديو صوت القاهرة جاء شخصان تخفى ملامحهما نظارة سوداء طلبا من الابنودى ان يذهب معهما، ظن الابنودى أنهما مخابرات، فسار معهما بهدوء وذهبوا إلى الزمالك فتوقع الأبنودى ان لهم مكتبا فى الزمالك، وإذا به يجد فى الشقة عبدالحليم حافظ، وطلب من الأبنودى أن يكتب له غنوة زى أغانى رشدى، واتصل عبدالحليم بكمال الطويل ليخبره ان الابنودى موجود، فكتب له الابنودى «أنا كل ما اقول التوبة يابوى ترمينى المقادير»، ثم يليها «على حسب وداد قلبى»، و«سواح»، وكانت هذه الأغانى يرد بها عبدالحليم على نجاحات رشدى وذلك لشعور عبدالحليم بخطورة وضعه التنافسى مع رشدى.