الأربعاء 29 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

عن فلسفة الحياة والموت

«المسيرة الوهمية».. مسرح بخيال مخرج سينمائى

«الطيبة اختفت والوقاحة تسود.. الناس راضون بالشر والخير ملقى طريحا على الأرض.. إن الموت أمامى اليوم كشفاء المريض مثل الحرية بعد السجن.. كرائحة البخور مثل الجلوس تحت شراع النسيم العليل..إن الموت لى اليوم مثل عطر اللوتس»..بهذه الكلمات ينهى المخرج المسرحى طارق الدويرى رحلة «المسيرة الوهمية» على خشبة مسرح مركز الهناجر للفنون، مجموعة من التأملات فى الحياة والموت، فى أقدم نص تأملى فى التاريخ «حوار مع النفس» أو حوار «اليائس من الحياة مع روحه» من عصر امنمحات الثالث كتب فيلسوف مصرى منذ أربعة آلاف سنة هذه الكلمات على إحدى البرديات القديمة، أفكار متناثرة وتأملات متشعبة فى أحوال الإنسانية يتناولها طارق الدويرى فى مسيرته الوهمية.



تعتبر «المسيرة الوهمية» كولاج فنى عن مجموعة أعمال المؤلف والمخرج المسرحى الكبير الراحل رأفت الدويرى يقدمه نجله طارق إحياء وتكريما لوالده، من هذه الأعمال «الواغش»، «الفهلوان»، 

«المسيرة الوهمية للطفل المعجزة» وغيرها..لم يقدم الدويرى عادة سوى تجارب فنية غير اعتيادية عهدناه دائما مخرجا مسرحيا أقرب للفنان التشكيلى الذى يتعمد رسم لوحات فنية متحركة على خشبة المسرح، بعناصر الإضاءة والديكور حتى يهىء لك أن الصورة والتكوين الفنى يتشكلان فى خياله أولا بشىء من المبالغة، ثم يسرد الدويرى حولهما أفكاره الكثيرة التى أراد تناولها فى عمله المسرحي، زحمة من الأفكار التى تحمل تساؤلات حول فلسفة الحياة والموت، وأزمة الوجود الإنسانى فى صراعه مع الحياة بعد نزوله على الأرض، منذ آلاف السنين كيف يتغير حال الإنسان ويتبدل مع استمرار الحياة كيف يشوه العالم المحيط طموحه وفكره وإنسانيته، أراد العرض أن يتناول شكلا من أشكال الإحباطات التى يتعرض لها الإنسان فى مسيرة حياته وصولا إلى النهاية بالموت.

ربما حمل العرض نظرة تشاؤمية للواقع، فى مسيرة رجل وامرأة عجوز تجمعهما الرغبة فى الحياة والتعايش مع الواقع برغم كل ما حدث لهما ولابنهما الذى يدعى طوال العرض باسم الطفل المعجزة «المحروس بسلامته» والذى يموت فى نهاية العرض لكن والدته تعلن أنه كلما توفى ستلده من جديد، صورة فاتنازية لهذا الرجل وتلك المرأة الذى يرتدى طوال العرض ملابس العرس وهى أيضا ترتدى ملابس الزفاف مع استمرارهما فى خوض تلك الرحلة الطويلة الشاقة تنجب فيها ابنا تسرقه امرأة أخرى فى مشهد تشكيلى بديع لمحاكمة وكأنها جاءت من عالم آخر أو كأنها شكل من أشكال الكوابيس التى نحياها يوميا، تتصارع فيه الدنيا مع الأم على الفوز بهذا الطفل، تحاول دائما أن تخضعه لقوانينها حتى يستطيع النجاة بالعيش فيها، فى بداية العرض ومع ولادة هذا الطفل يؤكد أنه لن ينزل إلا بحصوله على ضمانات للمستقبل ..هكذا تستمر وتتوالى أحداث العرض بشكل متشعب ومتفجر لمجموعة لا حصر لها من الأفكار والهواجس التى تشغل عقل وروح الدويرى ووالده الراحل، وبالتالى وقع العرض فى فخ كبير من التشويش الفكرى والتداخل فى سرد غير منطقى، فهو ينتقل من صورة إلى صورة مغايرة تماما وربما غير مترابطة مع المشهد السابق، مما قد يجعل عملية الفهم شاقة ومتعثرة على المتلقي، فحتى يصل المتلقى إلى فكرة واضحة عن العرض بالكامل عليه فك شفرات ورموز تلك المشاهد السريعة المتلاحقة على مدار ساعتين كاملتين بلا توقف، سوف يرهقك الدويرى وستلهث وراءه للإمساك بفكرته.  برغم ما شهده العمل من صورة تشكيلية بديعة بالإضاءة والملابس الأقرب إلى ملابس الكائنات الفضائية، واستغلال الفراغ فى عمل تكوينات فنية وتشكيلات جسدية بأبطاله المتميزين سواء فى مشهد المحاكمة أو مشهد الرقص على جنازة ميت من مسرحية الواغش وغيرها الكثير، مما منح للمشاهد حالة من المتعة الاسثتنائية باكتشاف مناطق تشكيلية بصرية ذات حس فنى عال وبديع فى ذهن الدويرى وكتيبته المسرحية، إلا أن وقوع العرض فى الإطالة والزحام الفكرى وتعدد خطوطه الدرامية وأفكاره الفلسفية، قد تجعل عملية إدراكه شاقة ومتعثرة خاصة على المتلقى العادي، وقد تحدث حالة من عدم التواصل خاصة فى تجربة المشاهدة الأولى للعرض، ففى كل مرة ومع محاولة إدراك وإمساك فكرة واحدة يصدمنا المخرج ويفاجئنا بمشهد جديد يحمل خطا آخر من عمل فنى آخر، مما قد يدخلنا فى متاهة فكرية كبرى لا يجمعها رابط واضح سوى رغبة المخرج فى وضع تلك اللوحات معا جنبا إلى جنب فى ترتيب متقاطع وسريع، قد يحرضنا الدويرى على ضرورة مشاهدة عمله أكثر من مرة حتى تختمر فى ذهنك بعض من أفكاره ورؤيته الفنية، أراد الدويرى أن يتناول كل ما يشغله من هموم الإنسانية فى عمل فنى واحد، فعندما تشاهده وإذا أمعنت الإطالة فى المشاهدة قد تكتشف أنك أمام أحد أعمال يوسف شاهين السينمائية الممتلئة بأفكار ومشاعر متباينة لكنها غنية بالصورة والكادرات الاستثنائية، هكذا اعتدنا المخرج طارق الدويرى مهموم بالفكر والصورة معا فهو يقدم مسرحا بخيال المخرج السينمائي، وعليك تكرار التأمل والمشاهدة حتى تتمكن من استيعاب ما احتوته أفكاره من معان سامية.

اعتمد الدويرى على إبراز تلك الأفكار فى مسيرته الإنسانية السامية على العزف الموسيقى الحى الممتع والمتناغم مع مشاهده لفريق سى بيمول بقيادة محمد السورى، ثم المهارات الحركية والصوتية والأدائية لأبطال العمل حيث احتوى العرض على شباب يجيدون الغناء والحركة والتمثيل قدموا عملا مسرحيا جماعيا على اختلاف مراحلهم العمرية من شباب وأطفال وكبار بمهارة واقتدار رغم صعوبة تكويناته الفنية وتتابع مشاهده الدرامية، إلا أنهم كانوا على قدر كبير من الاستيعاب والمسئولية، بجانب الفنان حمادة شوشة والفنانة سهام بنت سنية وعبد السلام فى دور الأب والأم أصحاب المسيرة كانا الاثنان غاية فى العذوبة والروعة بدءا من هيئتهما الخارجية بارتداء ملابس الزفاف مرورا بأدائهما السلس البسيط الساخر أحيانا على مدار أحادث العرض المعقد فنيا، «المسيرة الوهمية» ديكور وملابس عمر المعتز بالله وإضاءة أبو بكر الشريف.